سنحت لي الفرصة في هذا الصيف أثناء زيارتي إلى لندن أن أذهب بأولادي إلى النادي اللندني الشهير «الأرسنال»، وعند وصولنا إلى النادي مع معارضتي الشديدة لاصطحابهم وزيارته بسبب عدم علمي بما سوف أشاهده، وعندما وصلنا وجدنا في واجهة النادي متجرا خاصا يضم ملبوساتهم الرياضية بجميع أنواعها

عندما نتحدث عن مصطلح «النادي» فمعناه واسع جدا، حيث كان هذا المصطلح معروفا قبل الإسلام خاصة في مكة، فكانت هناك الدور والأندية التي يجتمع فيها الناس حسب تنوعهم وطبقاتهم، فدار الندوة مثلا التي كانت تضم نخبة الطبقة الأرستقراطية والبرجوازية فقط ولا يسمح لغيرهم بالدخول فيها، وهناك أيضا دار ابن جدعان الذي حضر فيه الرسول عليه الصلاة والسلام أحد الاتفاقات المهمة بين قبائل قريش وهو نصرة المظلوم، حيث يقول عليه الصلاة والسلام «لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ».
ولذلك كانت الأندية والدور هي ملاذ وتجمع الكثيرين، إما لاتخاذ القرارات أو لتبادل الأشعار والفنون، فكانت تلك الدور والأندية فاعلة جدا، وهناك من شبه صالوناتنا الثقافية وأنديتنا الأدبية بتلك الأندية.
ما نحن بصدده هنا في هذا المقال هو عن الأندية الرياضية التي تحمل على عاتقها الشيء الكثير بالنسبة للشباب، سواء من خلال ممارسة الرياضة أو تبادل الثقافة والفن أو الترفيه عبر البرامج التي تنفذها الأندية وتشرف عليها، فأغلب أنديتنا مع الأسف لا تنفذ إلا البرامج الرياضية فقط خاصة صاحبة الجماهير العريضة في المناطق الرئيسة، فكرة القدم أخذت منهم الاهتمام الكامل حتى إن نتائجها أصبحت تؤثر في الإقبال على النادي من عدمه، فلا نرى الندوات بأنواعها الدينية والشعرية والثقافية ولا حتى الاحتفالات والمسرحيات التي تتناسب مع الأعياد الوطنية وغيرها، إنما أصبحت تلك الأندية شبه معسكرات للاعبي كرة القدم فقط، حتى إن بعض الأندية الكبيرة لا تنافس إلا في دوري كرة القدم متجاهلة الألعاب الأخرى.
سنحت لي الفرصة في هذا الصيف أثناء زيارتي إلى لندن أن أذهب بأولادي إلى النادي اللندني الشهير «الأرسنال»، وعند وصولنا إلى النادي مع معارضتي الشديدة لاصطحابهم وزيارته بسبب عدم علمي بما سوف أشاهده، وعندما وصلنا وجدنا في واجهة النادي متجرا خاصا يضم ملبوساتهم الرياضية بجميع أنواعها، وهناك العشرات بل المئات يشترون ملبوسات النادي لأولادهم ويطبعون أسماء اللاعبين المعجبين بهم وأرقامهم، وطلبنا الدخول إلى داخل النادي فكانت تكلفة التذكرة 20 باوندا للفرد الواحد حوالي «100 ريال» وما دون الـ 15 بخمسة عشر باوندا، وكان هناك الكثير من الأسر مع أولادهم من مختلف الجنسيات يريدون الدخول، وعند الدخول كانت هناك أجهزة مع سماعات لسماع مادة مسجلة أثناء تجولنا داخل النادي عن تاريخ النادي ومسيرته وبطولاته، ويحوي ذلك الجهاز ست لغات ما عدا العربية، وأميز ما في الدخول أنك تمر مع ممر اللاعبين وهم ذاهبون باتجاه الملعب، ثم تجد استراحة كبيرة فيها صور للاعبي الفريق مكبرة لمن يريد التصوير بجانبهم، ومن ثم تدلف إلى الملعب الذي يعد تحفة من التحف الهندسية، وتجلس على مقاعد الاحتياط وتلتقط الصور التذكارية، وما شاهدته من سعادة في وجوه أبنائي أسعدني كثيرا أنني حضرت معهم وشاهدت هذا الاستثمار الذي حرمت منه أنديتنا، والسؤال الجوهري الذي نود طرحه هو: لماذا لا تفعل أنديتنا مثل هؤلاء وتهيئ مقراتها مزارت للسائحين من أهل الوطن الذين يأتون من المناطق الأخرى أو للسائحين الخليجيين أو الأجانب؟ أنا أعلم أن أنديتنا تختلف عن أنديتهم من حيث المساحات والاستاد والمباني، لذلك فإن الأمر لا يتعدى سوى بعض الترتيبات حسب مقدرة كل ناد ثم يمكنه أن يصبح جاهزا للزيارة، وأهم هذه الترتيبات اختيار الفريق المكلف على الإشراف لأنه هو الواجهة للنادي أمام الزوار، وكذلك لابد أن يضم النادي متجرا مجهزا على أعلى المستويات، يضم جميع ملبوسات النادي لبيعها على الزوار لمن أراد، وممكن لكل ناد أن يراعي الأسعار في تلك الملبوسات ويخفضها بنسبة أقل من المتاجر التابعة له في نقاط أخرى ليكون ذلك جذبا استثماريا للنادي، وإضافة ممرات ومنصات يوضع عليها كؤوس النادي، وأتوقع أن هذا الاستثمار بات ضروريا لتتمكن الأندية من الاستفادة من تلك العوائد المالية لتغطية جزء من تكاليفها الباهظة، كذلك يمكن تطبيق تلك الفكرة على استاد الملك فهد بالرياض والجوهرة بجدة، وترتيب الزيارات حسب الأيام التي لا توجد فيها أي نشاطات رياضية، فهذه المعالم يجب أن تكون من معالم مدننا وأن تستثمر للصالح العام.
ختاما هذه فكرة بسيطة ويمكن تطبيقها على مستوى الأندية وابتكار أنشطة وبرامج جاذبة أثناء العطل الصيفية الطويلة حتى تستطيع تلك الأندية الاستفادة من مقراتها ومنتوجاتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣٠) صفحة (٩) بتاريخ (٢٩-٠٨-٢٠١٦)