علياء الموسوي

علياء الموسوي

يعتبر العالم اليوم أشبه بقرية كونية صغيرة على الرغم من اتساع وامتداد الكرة الأرضية بقاراتها المختلفة المتنوعة عن بعضها، المتناسقة بشكل رائع يضاهي جمال طبيعة اختلاف الأفراد، سواء أكان ظاهريا أو باطنيا، ومع كل هذا التفاوت بيننا نجد أنفسنا في دائرة من العلاقات المتصلة المتواصلة، التي لا تبرح أن تنفصل حتى تقترن مع مجموعة أخرى من العلاقات، بشكل أو بآخر، خصوصا في المناسبات الاجتماعية التي تجمعنا.
هذه المناسبات هي بمنزلة مجتمع صغير يمثل جزءا لا يستهان به من المجتمع الذي ربما يمثلنا وقد لا يكون ذلك، إذ إنه في هذه الأماكن تبان الأفكار والتوجهات الشخصية، لكل فرد منا على حد سواء، بالأخص عندما يتم طرح موضوع جدلي قابل للتفاوت والنقاش العلني بين الأفراد، هنا تتضح الرؤية والأيديولوجية الثقافية والفكرية، وربما يذهل الآخرون بما يؤمن به فلان وما يفكر به علان ويتصرف به، كل ذلك يجعلنا في محك كيف نتصرف مع هؤلاء الجماعات؟
عندما يمتلك الإنسان القدرة على ضبط نفسه في مواقف متعددة ويستطيع أن ينقذ الأمر، لاسيما في الأماكن ذات الشأن العام المهم، فإنه استطاع أن يكون قائدا ذا هيبة اجتماعية خاصة وهو لا يعلم، وذلك لأنه يملك ذكاء اجتماعيا وحسا واعيا في تدبير الأمور بشكل جيد يناسب الإطار الذي وضع فيه.
عرف علماء النفس الذكاء الاجتماعي بأنه «مقدرة الإنسان على إدارة علاقاته مع الآخرين وتطويعها لصالحه وصالحهم، ولا تتأتى هذه القدرة إلا عن طريق القدرة على فهم الأشخاص بأجناسهم وتقدير مشاعرهم». بمعنى أنك تستطيع الانسجام مع الآخرين مهما كان الظرف والزمان والمكان مع مراعاة مشاعرهم وأحاسيسهم تبعا للموقف الذي يمرون به.
يقوم الذكاء الاجتماعي على عدة مفاتيح مهمة، يرتبط كل مفتاح بالآخر، بصورة متكاملة، أهمها فهم لغة الجسد إلى الأشخاص المحيطين من حولك، أي فهم تعابير وجوههم وحركات أيديهم عند الحديث معهم، بالإضافة إلى ذلك القدرة على التكيف مع مجموعة كبيرة من الناس، لا سيما إذا كان هو اللقاء الأول الذي يجمعك معهم، عندها، فإن تبادل الأحاديث معهم بطلاقة جمة بكل ثقة، وفتح سبل التعارف معهم، دون الاتجاه نحوهم بالغرابة والاضطراب والدهشة، هو أهم مفتاح إلى قلوبهم.
كما يشير علماء النفس إلى أن تفهم واحترام الفرد الأجواء المحيطة به المتعلقة بالعادات والتقاليد المجتمعية الخاصة به أو بغيره في مناسبات الفرح والحزن، يساهم في لعب دور اجتماعي ذكي في الوقت ذاته، مما يعكس صورة إيجابية حول نفسه ويحبب الآخرين إليه، ويجذبهم من حوله.
إلى ذلك، فإن المبادرة بشكل إيجابي كتقديم رسالة شكر أو إرسال هدية لمناسبة معينة، لهو أمر مطلوب وضروري، حتى يرتقي الفرد بهذه العلاقة إلى مستوى جيد، إذ إن هذه العلاقات أصبحت اليوم بمنزلة علاقات اجتماعية استهلاكية خلقت للمنفعة فقط.
نتيجة لذلك، فإن الشركات العالمية اليوم، في مقابلات التوظيف، لا تنظر إلى معدلك الجامعي أو المدرسي بالدرجة الأولى، بل إنها ترى مدى قدرتك على تكوين وخلق شبكة متسلسلة من العلاقات الاجتماعية دون فشل أو خوف، فالدرجات الأكاديمية المرتفعة لا تعادل شيئا إذا كان الإنسان فاشلا اجتماعيا لا يتقن إدارة مشكلات الحياة على جميع الأصعدة. إذاً حتى تكون ذا ذكاء اجتماعي، تدرب على استخدام هذه المفاتيح الذهبية بطريقة صحيحة وإلا فإنك ستكسر في كل مرة قفلاً جديداً، بتهورك وتسرعك، لذا درب نفسك على أن تفتح قلوب الآخرين بالمفتاح المناسب، ألا وهو كلمتك الطيبة وأسلوبك المهذب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣٠) صفحة (٨) بتاريخ (٢٩-٠٨-٢٠١٦)