عبداللطيف السماعيل

عبداللطيف السماعيل

ما إن بدأ صاحبنا العائد من السفر في الحديث عن تجربته، حتى انبرى له «أبو العريف» وكعادته ليبارزه الحديث ويشوش عليه مقاطعاً ومصححاً ومكملاً لكل معلومة، وكأنه في حلبة مصارعة الفائز فيها من يملك معلومات وتجارب أكثر!
يبدأ أبو العريف تشويشه بجملته الشهيرة (حتى أنا ذيك السنة…) ثم ينهمر بعدها كسيل جارف لا يتوقف ليتحفنا ببطولاته و تجاربه في السفر. لنكتشف أنه سكن في نفس المدينة وشرب القهوة في نفس الفندق وأكل من نفس المطعم ومر بنفس الموقف مع المرور هناك! بل حتى مواقف صاحبنا مع أطفاله في السفر، لأبي العريف تعليق عليها رغم كونه أعزب، فقصص من يعرفهم في هذا المجال لا تنتهي. وأبو العريف لا يعدم الحيلة.يناقش في كل موضوع ويعرف كل خبر ومعلومة، زار كل بلد وقرأ كل كتاب ومر بكل تجربة، وامتلك كل شيء.
وقد تكون سابقة في المجلس حينما ينصت ويستمع، وتحقق المعجزة عندما يجيب عن أي سؤال بـ «لا أعلم».أبو العريف هذا ليس شخصية هزلية خيالية، وإنما هو شخصية واقعية مريضة مع الأسف، تسعى لإثبات وجودها وجذب الاهتمام إليها، تمتاز بضيق نفس صاحبها وضيق المجالس به. ولو كنت مختصاً في علم النفس لبحثت في ماهية المرض الذي أفرزها، ولكن ولكون الأمر هنا مقتصرا على الرأي، فإني أزعم أن سبب هذا المرض يكمن في الشعور الشديد بالنقص الذي يتجذر في أعماق النفس حتى يسيطر على صاحبها دون أن يشعر. فيجعله يعتقد (خطأً) أنه بلا قيمة حقيقية وليس لديه ما يملكه وما يقدمه وما يتميز به، وأنه أقل شأناً وحظاً ومكانة وإمكانات من الآخرين. ومن هنا تنشأ عنده نظرة سلبية لا يرى من خلالها نعم الله عليه ولا يرضى بما يقسم الله له حتى يكفر بنعمه، فيصيبه السخط في حال المصيبة والطمع في حال النعمة، ويتشبع بالغل والغيرة والحسد في علاقته بكل ذي حظ وفضل ومكانة.
ونتيجة لهذا كله تظهر شخصية أبي العريف الانهزامية التي يحاول بها صاحبها محاربة كل الحقائق التي يراها في نفسه، وذلك بتصدر المجالس بالمشاغبة والمناوشة وبالكذب والادعاءات و«الهياط»، ليثبت للآخرين أنه أفضل منهم أو مثلهم على أقل تقدير. فتجده يتفاخر بما يملك أو يدعي امتلاك ما لا يملك ليثبت أفضليته كما أسلفت أو لينفي الدونية عن نفسه ولكنه بهذا ومع الأسف يثبت تخلفه ويكشف الفقر المتستر داخل نفسه. تجده يزاحم الناس ويدعي العلم بكل فن ولو في حضرة أهله، لينفي عن نفسه الجهل ولكنه يظهره ويفوت على نفسه وعلى الآخرين خيراً كثيراً. يرى في مشورتك له إهانة وانتقاصا من قدره، ومحاولة منك للاعتلاء عليه، فيسابقك وربما يهاجمك حتى يخسر مشورتك، وربما يخسرك!
أبو العريف موجود في مجالسنا، وهو واحد ممن يقرأون هذا المقال. أظنك تعرفه، وتتبسم وأنت تقرأ كل وصف ينطبق عليه. وأخشى أن يكون هو أنت ولكنك تكابر في الإقرار بهذا أو ربما لا تدري عنه، فراجع نفسك!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣١) صفحة (٨) بتاريخ (٣٠-٠٨-٢٠١٦)