وفاء الراجح

ذهبت مرة إلى متجر الأحذية لاستبدل حذائي القديم، رأيت على الرف أشكالاً وألواناً، منها ما هو للمشي، والرياضة، والحفلات، والبعض الآخر للتسوق، وهناك المزخرف والملون والسادة، وكعادتي لا أحب الأحذية ذات الكعب العالي، أخذت حذاء أسود مقاسه 38، حذاء يساعدني على التحرك والدفع والسحب، يتماهى مع الأزقة الضيقة، والساحات الواسعة، متفاهماً مع الريح، يحتال على العواصف والفيضانات، لا يهمه نوع الأرض التي سيمشي عليها، ولا يكترث لأمر المنحدرات والمرتفعات الخطرة، وإن انزلق؛ ينزلق للأماكن المناسبة، ولو تمزق يدفئ قدمي ويساعدني على الركض لمسافات طويلة.
بعد فترة وجدتني أتسلق القمم دون خوف.
فكم من الأحذية تنتظر أقدامنا؟!
وكم من الأقدام تنتظر مقاساً يناسب تطلعاتها؟!
نبحث عن المقاس أثناء اختيارنا لأثاث البيت، والمكتب، والمطبخ، ولأجسامنا التي يتبنى الزمن نموها ويتكفل العمر بترهلها، أو لعقولنا التي نلبسها قبعة أصغر من حجمها، أو لأفكارنا التي تحتذي حذاء ذا كعبٍ عال.
بعد ما كتبت المقال المذكور أعلاه توقفت بضع ثوان وأنا شاخصة بالكلمات أحدق في كثرتها وتراكمها وتراكيبها، قررت أن أستأصل زوائدها الدودية، فجاء على هذا النحو:
- الحذاء الذي لا يأخذك إلى عوالم جديدة غير جدير بقدمك.
- الحذاء الذكي يختار الطريق بدلاً عنك.
- المقاس الذي تختاره هو المقاس المناسب لأفكارك.
- لا تهتم بالنوعية والجودة؛ فالحذاء الجيد يتحمل حتى رائحة جواربك النتنة.
- الأحذية المربوطة ترغمك على الانحناء.
- اختلاف أشكال الأحذية دليل على التجربة.
- إن قررت عزل حذائك القديم لا ترمه؛ احتفظ به لو على الرف فهو نقطة انطلاقك.
وبعد ذلك الذي تقدمت به، تستطيع أن تختصر في حياتك أكثر الأشياء التي تعمل جاهداً على الإطاحة بك، كأن تختصرني وتختصر هذا المقال الذي أنطق حذائي المسكين. فهل تستطيع فِعل ذلك؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣٢) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-٠٨-٢٠١٦)