د. خالد عبدالله الخميس – جامعة الملك سعود

هناك شخص نسيت اسمه، بلغ حده من العنف والكراهية والإرهاب، حتى أصبح سلوك العنف والكراهية يقاس به، فمنذ أن تولى سلطة بلاده ألزم أهلها بإصلاحات اشتراكية في أضيق حدوده، وهو العمل الجماعي في الزراعة. ودون مقدمات طرد الناس من بيوتهم ووجههم نحو الحقول الزراعية ليزرعوها، ومن يبدي أي تذمر أو اعتراض فمصيره وعائلته التعذيب والقتل، وفي أحيان كثيرة يستخسر ثمن الرصاصة فيفضل دفن المعارضين وهم أحياء.
وامتد مشروع «إصلاحاته» الاشتراكية إلى الإصلاحات الدينية، فأي شخص يدين بأي دين سواء المسيحية أو الإسلام أو البوذية أو حتى التأثر بأفكار الغرب؛ فإن مصيره القتل أيضاً، فليس هنالك شيء اسمه زواج ولا أسرة ولا أبناء ولا سكن خاص؛ فالكل مملوك للدولة.
قتل من قتل، واستجاب من استجاب لهذه «الإصلاحات»، وخرج الناس من بيوتهم للغابات والحقول ليزرعوها ويربوا الماشية والدواجن على النحو المطلوب. رجع البعض منهم إلى منازلهم لزيارتها، فما كان منه إلا أن أحرق منازلهم ليعلمهم أن الإنتاج لا يكون إلا في الحقول فقط، والعودة إلى البيوت هروب من العمل، ولكي يعلم الآخرين هذا الدرس، كان مشروعه «الإصلاحي» هو حرق جميع المنازل كي يقطع الطريق أمام من تسول له نفسه العودة إلى منزله.
والمشروع الثالث «الإصلاحي» هو أن من يمرض مرضاً مزمناً أو يصاب بإعاقة، فعلية يُقتل حتى لا تهدر خزينة أموال الدولة على أشخاص لا فائدة منهم.
والمشروع الرابع «الإصلاحي» هو أن أي ثمرة يتم الحصول عليها أو دواجن تؤخذ بغير إذن الدولة فإن مصير آخذها القتل، ولا عجب أن تسمع أن أحدا ما قتل بسبب دجاجة، حفاظاً على ثروة الدولة.
وهكذا توالت مشاريعه الإصلاحية على هذا النحو، حتى جاء يوم كان فيه الفلاحون على موعد مفرح بحصد منتوجهم من الأرز، لكنهم كانوا في ذات الوقت على موعد مع مشروع «إصلاحي» مفاجئ يقضي بحرق جميع الحقول المزروعة، وقتل الفلاحين الذين يعارضون هذا المشروع الإصلاحي. وكان المنطق الذكي في هذا المشروع الإصلاحي لسببين: الأول وهو عقائدي يهدف لتعميق القناعة أنه لا حقيقة لأي إيمان بأي عقيدة، والدنيا تسير وفق فوضويتها، ولا وجود لعدالة إلهية تمنع هذه الفوضوية؛ هاهي الدولة تظلم دون أن يحل بها عدل إلهي، أما السبب الآخر فهو اقتصادي، يهدف إلى التقليل من الإنتاج كي لا يرتفع سعر الأرز والمنتجات الزراعية.
هكذا كانت سياسات ذلك النظام «الإصلاحي»، الذي يجعل من الناس قطعان طيعة تدخلها الأفران فلا تقول لا، وتغرقها في البحر فلا تقول لا. هكذا استطاع هذا الشخص بمدد من الدول الشيوعية أن يكسر إنسانية شعبه، ويتوج أنه أعلى زعيم قتل شعبه إذ قتل من شعبه الكامبودي نسبة لا تقل عن ثلث الشعب.
آه، الآن تذكرت اسم هذا الشخص، إنه بول بوت Pol Pot زعيم الخمير الحمر في كمبوديا، الذي حكمهم ما بين عام 1975 – 1979، وسبق أن عاش في دول الغرب المتحضرة (فرنسا) لمدة لا تقل عن 4 سنوات قبل أن يتولى زعامة بلاده.
هذا الشخص الذي تذكرت اسمه للتو، ذكرني بشخص آخر من نفس المعدن نسيت اسمه!!!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣٢) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-٠٨-٢٠١٦)