يمكننا أن نعتبر المثقف إحدى أدوات التنوير في المجتمع، فهو اليد الجريئة التي تجرؤ على قرع جرس الإنذار حول عديد من القضايا التي تمس المجتمع، وهو المفكرة التي تتقن فن قراءة الواقع ونقله إلى الورق أو إلى وسائل الإعلام، فالقراءة والوعي والاطلاع هي التي تصنع الفارق في شخصية الإنسان وفي تهذيب سلوكه وتوجهاته التي تتلاقى مع انعكاسات هذا الفكر على سلوك الشخصية المثقفة التي يمكن أن نراها في كاريزما المثقفين، فهل يمكن أن تؤدي الثقافة إلى نتائج عكسية على الشخصية؟ وأن تؤدي إلى انقلاب في مجريات السلوك، فتجعل من الإنسان المثقف نموذجا فوقيا يعيش ليتباهى بما قرأ أو كتب؟ وهل يمكن للثقافة أن تجر المبدعين إلى ساحة الغرور ليعيش مقبرته الأخيرة أمام المتلقي؟
دائما ما يتبادر إلى ذهني عديد من الأسئلة عندما أقف في مواجهة مع شخصية المثقف، الذي يشعرك بأنه المتسيد للموقف الثقافي الذي تتنافس لأجله القنوات الفضائية العالمية، وهو يعيش حالة ازدراء للواقع الثقافي المحلي الذي خرج منه، لمجرد أنه كتب كتابا أو ألف مجموعة شعرية أو قصصية ويزداد انشغالي بتفسير عديد من الظواهر الثقافية المرتبطة بشخصيات المثقفين، لدرجة أني أخاف من أن تترسب في ذهني معلومات عن نتائج عكسية للقراءة والوعي الذي قد يخرج العقل عن سيطرته، لترى أمامك نماذج فوقية من المثقفين الذين يحترفون فن الفلسفة والتفلسف وآخرين يتجاوزون معاني الثقافة إلى تهميش الآخرين ومحاولة الظهور بمظهر المتفردين أو شخصيات أخرى راكضة نحو الظهور بكل أشكاله، نماذج مختلفة للمثقفين قد تصدمك بمجرد الاقتراب منهم حول أيديولوجيته الخاصة وحياته وتفاصيل أفكاره.
ولا يمكن للقارئ للمشهد الثقافي أن لا يرى هذه الظواهر الثقافية على شخصيات بعض المثقفين، الذين يجب أن يراجعوا حساباتهم ويقفوا أمام المرآة للحظات ليراقبوا طريقة كلامهم وتعاملهم مع الآخرين، لابد أن يقفوا في مواجهة مع ضمائرهم، فما تعلمته طوال عمري علمني أن الثقافة سلوك راق يجب أن يرمي بظلاله على الإنسان لينبت في قلبه الورد والمعاني الإنسانية الجميلة، وما عرفته يقول لي إن الفكر والثقافة وكافة إفرازاتها الأدبية والفكرية والعلمية يجب أن تنتقل إلى حيز السلوك الذي يعبر عن الشخصية المتوازنة للمثقف من ناحية المظهر والجوهر، وما أعرفه أن المثقف بحاجة إلى الاتزان أكثر من غيره من فئات المجتمع، لأنه يحمل بيده ناقوس الحياة ونبراس العلم والوعي ولا يجب أن يقيس مقدرا ثقافته بعدد فناجين القهوة التي شربها وبعلب التبغ المتناثرة حول مكتبه، ولا بكل ما امتدحته به الصحافة اليومية، يجب أن يفكر أنه إنسان متحضر وهذا أبسط ما يمكن أن يتميز به عن غيره بعيدا عن الاستعراض، يجب أن يفكر كثيرا قبل أن يفرد عضلاته ليقول للمتلقي هذا أنا وهذه شخصيتي، يجب أن يعي دوره التنويري في المجتمع وأن يتصرف بناء على أنه قدوة في حفاظه على المقدرات الفكرية للمجتمع، وأن يعي لرسالته التي يمكن أن تتجاوز كافة المحاذير لتصنع الفارق بفعل الوعي والصدق وتحمل الأمانة بعيدا عن لغة التعالي والغرور.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣٣) صفحة (٩) بتاريخ (٠١-٠٩-٢٠١٦)