د. خالد عبدالله الخميس
 أكاديمي في جامعة الملك سعود

هنالك بعض الأسئلة التي يسألها بعضنا بعضاً للتعرف على شخصية الآخر، خصوصاً في بدء تعارف أو بدء تكوين علاقة شخصية، هل أنت تحترم الآخرين؟ هل أنت متكبر؟ هل أنت أمين؟ هل أنت كريم؟ هل أنت تحب الخير الناس؟ والرد يأتي على طراز واحد: أنا أحترم من يحترمني وأعادي من لا يحترمني، أنا لا أغلط لكني لا أرضى عن الغلط، أنا لست متكبراً والناس لا يدركون ذلك، وهكذا تستمر الإجابات على نفس النسق. إن هذه الأسئلة في الحقيقة هي أسئلة غبية بامتياز، فلا أحد من البشر ستتوقع منه أن يقول بخلاف تلك الإجابات ولا أحد يقول عن نفسه إنه شرير، أو إنه خائن، أو إنه أناني ومتكبر ومتعجرف. فإذا كان كل البشر لا يعترفون بأنهم أشرار، فمن الشرير إذن؟ المسألة ليست هكذا، المسألة ترجع لطريقة سؤلنا الغبي، ولذا ابتكر علماء النفس قوالب من الاختبارات الشخصية التي تخضع لمحكات علمية يمكن من خلالها الكشف عن نمط الشخصية، ويراعي الاختصاصي النفسي الجيد بعد تطبيق الاختبارات النفسية خاصية نفسية معينة قد تؤثر على نتائج الاختبار التي فيها يغطي المرء بعض السلوكيات ولا يعترف بوجودها (ليس من دافع الكذب) وإنما بسبب خواص نفسية يعبر عنها بـ: ميكانزمات الدفاع عن النفس Defence mechanisms وأحد هذه الميكانزمات تسمى بردة الفعل العكسي Reaction formation، وتشير ردة الفعل العكسي ببساطة إلى مجموعة من السلوكيات التي تخدع فيها النفس لنفسها لتثبت لها (قبل أن تثبت للناس) أنها بخلاف ما هي عليه من صفات سلبية، فلو كانت النفس تشعر بالمظلومية فإنها تتمظهر أحياناً بأنها ظالمة حتى تخفي شعور المظلومية، وبعكسه لو كانت النفس بطبيعتها عدوانية وظالمة فإنها أحياناً تتمظهر بسلوكيات الصلاح والسلم. كذلك لو كانت النفس تشعر بالنقص والدونية فإنها أحياناً تتمظهر بالكبر والتعالي، وبعكسه لو كانت مجبلة على الكبرياء والتعالي فإنها تتمظهر بمظاهر التواضع واللين. والنفس حينما تقوم بسلوكيات معاكسة لما عليه حالها، فإن هدفها ليس خداع الناس وإنما لتثبت لنفسها أنها بعكس ما هي عليه.
على العموم، ليس هذا هو موضوعنا، موضوعنا عن الكرم عند العرب، وما هو دافع صفة الكرم، فهل الكرم العربي هو تعبير عن سلوك نابع من نفس طيبة تحب الخير للناس؟، أم أن الكرم عند العرب هو نابع من جبلة ورثها الآباء عن الأجداد منذ آلاف السنين وأصبحت قيمة Value لا يمكن تركها أو التنازل عنها؟، أم أن الكرم العربي نابع من معيار وضعه العرب لتقييم من هو الشخص المثالي الذي يستحق لقب الرجل ومن هو الشخص الدني الذي لا يستحق لقب الرجل؟، على العموم كل هذه الأسباب وجيهة وممكنة ولا أحد يجال على وجاهتها.
لكن لعلي أتساءل في حال أن يصل الكرم لحد الإسراف والتباهي والفخر، فما هو دافعه؟ ولعلي أتساءل بشكل أكثر صراحة، وأعيدكم لماضٍ قريب عندما كان الغزو على بعضنا هو مصدر للدخل، وكانت كل قبيلة بعدما تغنم من قبيلة مجاورة أن تضيفهم على موائد تم سرقتها منهم، والسؤال: هل يدخل هذا السلوك في ميكانزمات الدفاع عن النفس؟ كونه يتصف بصفة الكريم كي يثبت لنفسه أنه ليس بسارق. وهل يدخل في ميكانزمات الدفاع عن النفس سلوكيات بعض «الكرماء» الذين عرف عنهم أصلاً بالعبث بأموال الدولة وبالفساد المالي؟!!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٠) صفحة (٨) بتاريخ (٠٨-٠٩-٢٠١٦)