د. أحمد علي الصرخي طبيب وأكاديمي جامعة الملك سعود

د. أحمد علي الصرخي
طبيب وأكاديمي جامعة الملك سعود

سألني صديقٌ ذات مرةً عن عشبة (السنا) لعلاج الإمساك، فذكرت له بأنها عشبة معروفة، ولذلك فقد استفاد منها علم الصيدلة في صناعة دواءٍ بجرعة محددة لعلاج الإمساك، تمعّر وجهه قليلاً وهو يقول: (فُكّنا) يا شيخ من الأدوية، و(خلينا) على العشبة!!.
تنتشر ثقافة التداوي بالأعشاب في مختلف ثقافات الأرض شرقاً وغرباً، على اختلافٍ في الإيمان بها والتوسع فيها، وهي ثقافة تقوم على (ثيمة) الإيحاء بالحصول على الصحة والشفاء السريع، من مصادر الطبيعة، وهي بذلك توحي بأنها أكثر تماهياً وانسجاماً مع الطبيعة الأم التي لن تضر صغارها من وجهة نظرهم، وهذا هو الوتر الذي يعزف عليه أدعياء العلاج بالأعشاب في كل زمان ومكان، لنشل جيوب المُضطّرين، تارةً تحت مسمى الطب الشعبي، وتارةً تحت مسمى الطب البديل، وثالثةً تُضاف للتسمية هالةٌ تقديسية فيسمونه بالطب النبوي، وهو – لعمري- منه براء!.
إن كثيراً من الخلطات العشبية إن لم تضر، فهي لن تنفع فيما لم ينفع فيه الطب الحديث، طبعاً نحن لا نتكلم هنا عن استعمال الأعشاب لعلاج حالات المغص والزكام والصداع، بل نتحدث عن تعاطي الأعشاب لعلاج أمراضٍ مزمنةٍ أو مستعصيةٍ كالسكري والسرطان وأمراض الكبد والإيدز و..القائمة تطول.
والحقيقة أن التداوي بالأعشاب ليس آمنا دائماً، فمثلها مثل الأدوية قد تتسبب في بعض الأضرار الجانبية إذا ما زادت جرعتها، أو تفاعل معها الجسم بصورة مختلفة، وما ينفع زيداً من الناس، قد لا ينفع عَمراً، بل قد يضره، وقد رأينا بعضاً من حالات الفشل الكلوي والكبدي عند استعمال بعض الخلطات غير معروفة التركيب. كما أن الأعشاب تتعرض لكثير من التغيرات عند نقلها وتخزينها في محلات العطارة الشعبية، مما يفقدها شيئا من فائدتها المرجوة، هذا إذا لم تتحول إلى سموم فتّاكة.
إن كثيرا من الممتهنين بالعطارة ليسوا أكثر من تُجّارٍ متكسبين، وليس لديهم علمٌ حقيقيٌ بالأعشاب وتركيباتها، وهذا لا بأس به، لكن البأس يقع على من يخدعون الناس بعلاجهم بهذه الأعشاب دون علمٍ.
في فترةٍ ما، مارس بعض المتطببين الشعبيين عملهم في بيوتٍ شعبية بسيطة، تتناسب مع ما يقدمونه من طبٍ بسيط، ولكنهم تزايدوا في الآونة الأخيرة، وكثر فيهم الدجل، وخرج بعضهم من ضيق البيوت البسيطة والحارات المغلقة، إلى سماءات القنوات الفضائية الرحب، ومنصات التواصل الاجتماعي اللامحدود، ومن التجارب المحدودة التي توارثها بعضهم عن الأجداد، إلى الاختلاقات الكبيرة التي تُخترع يومياً من عندياتهم، فتجدهم لا يترددون -ولو للحظة- في اختراع عشبةٍ ما، قد تكون إكليل الجبل، أو نبتة أقحوانة الوادي -أو قل ما شئت- لكل عرضٍ أو مرضٍ بثقةٍ مفرطة، وكأنما يتنزل عليهم وحيٌ من العلم لا ينقطع، ولا رادع لهم!.
لم يحارب العلم العلاج بالأعشاب يوماً ما، بل كان جزءاً لا يتجزأ منه، فدراسة النباتات الطبية واستعمالاتها في العلاج هو أحد فروع علم الصيدلة القائم بذاته. إن المؤكد أن العلم لم ولن يترك عشبةً أثبتت التجربة فعاليتها عبر الأجيال في علاج مرض ما، دون دراسة وتمحيص، ولذلك فقد ساعد العلم على مر العصور في اكتشاف وتطوير كثيرٍ من العلاجات التي يستخدمها الطب الحديث من نباتات مختلفة، مثل دواء الأسبرين المكتشف من ورق شجرة الصفصاف، ودواء (المورفين) الخاص بعلاج الآلام المبرحة والمستخرج من نبتة الخشخاش..ما قام به العلم هو أنه عزل المادة الفعّالة من كل مكونات تلك النبتة، ونقّاها، ثم بعد ما تم دراستها على حيوانات التجارب، ثم على البشر تم تقديمها للناس في أقصى صورةٍ آمنة.
إن العلم ليس كاملاً ولم يدّع الكمال يوماً ما، بل لعل من أهم صفاته أنه يعترف بقصوره، ويصحح أخطاءه، ويُطّور نفسه باستمرار، كما أن العلم لا يسمح لأهله الادعاء بعلم كل شيء، فهو يردعهم عندما يتجاوزونه، بعكس الدجّالين الذين لا يردعهم رادعٌ من خُلقٍ أو من نظام.
مع الأسف إن أغلب ما يقدّمه مدعو العلاج بالأعشاب في علاج الأمراض المزمنة، لا يتعدى أن يكون مزيجاً مشوهاً من الجهل والدجل، لا ينتج منه إلا الزَبَدُ، الذي لن يلبث كثيراً حتى يذهب جُفاء، وهو ما سيكتشفه الشخص بنفسه عاجلاً أم آجلاً، ولكن – في أغلب الأحيان- بعد دفع الثمن غالياً، من الجيب أو من الصحة، أو من كليهما جميعاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٠) صفحة (٨) بتاريخ (٠٨-٠٩-٢٠١٦)