لم يكن موسم الحج لعام 1417هـ بالنسبة لي حدثاً عابراً أو أمراً غابراً، ليس لكونها حجة الإسلام فقط، ولكن لما كان فيها من أحداث ومشاهدات مثيرة لشابٍّ في مقتبل العمر لم يتجاوز الخامسة عشرة من العمر. حينها كنت أحد أفراد الكشافة ممن قدموا إلى مكة قُبيل موسم الحج بأيام بغرض تمشيط المنطقة، فقد كان دورنا يقتصر على مساعدة الحجاج وإيصالهم إلى مخيماتهم. بدأت أحداث القصة فعليّاً في يوم التروية، تحديداً الساعة العاشرة صباحاً، كنا في المعسكر الكائن في وسط منى، وكان عددنا يتجاوز مائة كشاف، بدأ الحريق في أحد المخيمات القريبة من معسكرنا. في ذلك اليوم لم تكن الرياح مستقرة، حيث إنها كانت تهب من الشمال ثم ما تلبث أن تغير اتجاهها وهكذا، مما ساعد النار على أن تنتشر طولاً وعرضاً في منى، في البداية استخدم رجال الإطفاء الأدوات التقليدية لإطفاء النار، إلا أن سرعة انتشارها نتيجة سرعة الهواء تطلب استدعاء الطائرات لإخمادها، مع مرور الوقت أدرك الجميع أن النار بدأت تقترب أكثر فأكثر نحو المعسكر فتم إخلاء المعسكر وترك جميع الحقائب، -عفواً- بل تم إخلاء مشعر منى بالكامل. بالفعل كان المنظر مروعاً وكانت الجموع تسير في اتجاه واحد.. الصغير والكبير، المرأة والرجل، الصحيح والمريض، بعضهم كان راكباً وكثيرٌ منهم كان راجلاً وحافياً. كانت الأنفاق مغلقة تماماً من قبل رجال الأمن تجنباً لحدوث الاختناقات، وكان التوجيه للحجاج بالسير إلى الأمام رغم حرارة الأرض وحرارة النار، التي لم نرَ منها إلا الدخان. وصلت جموع الحجيج إلى العزيزية حيث كان المنظر مهيباً جدّاً، حيث الزحام والاختناقات المرورية، لم تكن بعد أجهزة الهواتف النقالة قد ظهرت، كانت المهمة جدّاً صعبة وكان التحدي في أشده، وكان استنفار رجال الأمن بالشكل الكبير الذي لا يوصف، فمن بين الحجيج من هو ضائع، ومن كان له مفقود، ومن تضرر نتيجة الدخان والاختناقات، ومنهم من أصيب ببعض الحروق، وبعضهم توفاه الله عز وجل نتيجة الاختناق أو الحرق، رحمهم الله تعالى. في ذلك اليوم احترقت منى بما حوته أي ما يقارب 70 ألف خيمة حتى أمست أثراً من بعد عين. في ليلتها توجهنا نحو بيوت الشباب حيث كان التجمع هناك، بدأ الكشافة في الانقسام فبعضهم رجع إلى منى لإعادة بنائها برفقة رجال الأمن والبقية ظلت في بيوت الشباب تضمد جراحات بعضها البعض. تلك الليلة كانت بمنزلة التحدي الحقيقي الذي أبهر العالم، حيث تم بناء ما يقارب من 70 ألف خيمة مجدداً، وبدأت جموع الحجيج في العودة مرة أخرى إلى منى. في اليوم التاسع من ذي الحجة بدا الوضع وكأن شيء لم يكن، لقد زال القلق وعاد الحجيج إلى مخيماتهم. عملنا خلال تلك الأيام في إيصال التائه وجمع الشمل ومعاونة الضعيف وإرشاد الحاج. في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة كان آخر يوم لنا، عاد كل فرد إلى مدينته، رجعت حينها إلى مدينتي ولم يكن معي سوى ما أرتديه، البنطال الأسود والقميص الأبيض، حيث إن حقائبنا قد احترقت بالكامل، بالفعل ذهب كل شيء، ولكن رجعت بكل شيء. الاستعدادات للحج والجهود المبذولة فوق كل تصور، فما يقع في أرض الواقع مختلفٌ جدّاً عما يتم التخطيط له؛ فليس بالمقدور التنبؤ بما قد يحدث مع هذه الجموع الغفيرة، ومن شارك في هذا الشرف ولو بشيء بسيط علم أن الجهود المبذولة لا يمكن تصورها. فما إن ينتهي حج هذا العام حتى يجلس المسؤولون على طاولة الاجتماع لمناقشة حج العام المقبل. بالفعل إنه لشرف وحق لهذا الشرف أن تفتخر به حكومتنا وأن توليه كل اهتمام وجهد ورعاية، وهو ما من أجله تتسابق دول للمشاركة وأخرى لتسييسه بغية أهداف وسياسات خارجة عن مقصوده ومراميه. حج عام 1417هـ حدث لا ينساه حجاج ذلك الموسم، لما رأيناه في ذلك العام من الجهود العظيمة، فما هو الظن بعد عشرين عاماً من الحريق، لا شك أن الجهود تجاوزت المعقول.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤١) صفحة (٨) بتاريخ (٠٩-٠٩-٢٠١٦)