علي اليامي

علي اليامي

…. لاشك أن العمل الأكاديمي في كل جامعات العالم محكوم في العادة بتفكير جماعي وأساليب منهجية لإدارة الاشتراطات العلمية في كل مراحله، ومن هنا فإن نجاح أي جامعة رهين بوجود منظومة متناسقة في كل جوانبها الإدارية والأكاديمية والمهنية حتى تتحقق الغايات التي من أجلها أنشئت المؤسسة التعليمية، ومتى حدث خلل في هذه الاشتراطات فإن هذا يعني بالضرورة فشل هذه الجامعة أو تلك.
نقول هذا الحديث وبين أعيننا ما يحدث في جامعة نجران من عثرات وتجاوزات لا تليق بمؤسسة مهمتها تخريج شباب مسلح بالعلم وقادر على إحداث النهضة بالمنطقة والمملكة على وجه العموم. واللافت للنظر أن جامعة نجران أصبحت مثار حديث دائم بين المختصين والمهتمين بأمر التعليم العالي والحادبين على تطور هذه الجامعة وذلك نتيجة الأخطاء المتراكمة داخل هذه الجامعة الشابة وما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إلى الجامعة هو عدم القدرة على التعامل مع تلك الإخفاقات بالصورة العلمية، والمنهج المدروس في شؤونها العلمية والإدارية بل إنها أصبحت تعتبر كل من يدلي بملاحظات أو يوجه انتقادات في حقها هو بمنزلة عدو ليس إلا، ولم تضع في حساباتها أو حسبانها بأن هذه الجامعة مؤسسة عامة وبوابة حضارية في المنطقة ومن حق الجميع أن يدلوا بآرائهم في أدائها حتى يستقيم الحال فيها، ولكن سيطرة التفكير الذاتي، والنظرة الأحادية الضيقة كما يصفها كثيرون جعلت إدارة الجامعة تتبرم من مثل تلك الآراء وتواصل في أسلوبها الذي لا يخدم في مجمله الأهداف العليا لهذا الصرح التعليمي المهم، ومن هنا يبدأ الخلل المنهجي في مؤسسة يفترض أن تكون الأحرص على المنهجية والعلمية في كل حركاتها وسكناتها، وليس بعيداً عنا تجاهل إدارة هذه الجامعة للملاحظات القيمة والآراء البناءة التي أدلى بها عديد من الشخصيات عبر وسائل متعددة، ولم يعرف عنهم يوماً سوى الإخلاص والتجرد وفوق كل ذلك هم بعيدون عن موضع الانحياز أو شبهة التحيز ومع ذلك وغيره ضربت إدارة الجامعة بآرائهم وانتقاداتهم عرض الحائط ولم تحاول الاستفادة من خبراتهم المتراكمة. ليس هذا وحسب بل هناك شخصيات أكاديمية أخرى من الأساتذة من الذين تشهد لهم الأوساط العلمية والأكاديمية بالكفاءة والخبرة ومشهود لهم بالبعد كل البعد عن شبهة المصلحة كان لهم دورهم في مراجعة أداء الجامعة من منطلق وطني بحت إلا أن الإدارة صمت أذنيها عما سمعت، ووضعت على عينيها غشاوة مما قرأت، والنتيجة تواصل النهج المتكبر وتكرار الأخطاء القاتلة. ولم تقف الانتقادات عند هذه الرموز العلمية المعروفة بالمنطقة بل تجاوزتها إلى عموم المواطنين من الشباب الحريصين على هذه المؤسسة العلمية وتطورها وضج موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) بأكثر من 50 ألف تغريدة تنادي بضرورة مراجعة الأداء في هذه الجامعة إلا أن الإدارة (الموقرة) لم تلق بالاً لهذه الأصوات الشابة المنزهة عن الغرض.
نعم الكل أجمع على أن هناك خللاً جوهرياً بجامعة نجران ويجب التعامل معه بشجاعة حتى تستقيم الأمور بداخلها منهجاً وعلماً مع ذلك  إدارة الجامعة وحدها لا تجد في نفسها شيئاً من حتى، وليس لديها الاستعداد النفسي لمواجهة الحقيقة فغابت الشفافية في توزيع فرص العمل بداخلها، وأصاب الظلم كثيراً من الأكاديميين والأساتذة والطلاب من أبناء المنطقة بسبب غياب المنهج والرؤية، وليس ببعيد عن الأذهان ما لحق بكثير من  الذين درسوا في أعرق الجامعات الأمريكية ونالو أعلى الخبرات العلمية والعملية مع ذلك لم يجدوا من الجامعة غير الجحود والنكران وذلك حين رفضت الجامعة دون مبررات استيعابهم ضمن طاقمها وأضاعت على طلابها فرصة الاستفادة من هذه الكفاءات الوطنية المخلصة فما كان من هذه الكفاءات إلا أن اتجهت إلى مجال آخر يتناسب مع ما لديها من الخبرات العلمية والعملية. والأمثلة على هذا النهج الانتقائي في الجامعة مع أبناء المنطقة كثيرة وهذه مجرد إشارات لا غير وهو نهج لا يتوافق إطلاقاً مع توجهات رؤية المملكة 2030م التي نادت بضرورة تكريس الانتماء الوطني وفتح الفرص لكل أبناء المملكة للمساهمة في نهضة وتقدم هذا الوطن العزيز. ومع ذلك تظل إدارة الجامعة لا تمل ولا تكل وهي تردد بأن أبوبها مفتوحة للجميع.!! فأين هذه الأبواب المفتوحة؟
إن انحياز الجامعة إلى جانب أبناء المنطقة لا يقدح في أمانتها العلمية ورسالتها الوطنية بل يزيد من ارتباطها بهذا المجتمع ويوفر فرص التواصل معه في كل المجالات وأذكر في هذه المناسبة حين كان طلاب نجران ينتشرون في كل المناطق قبل إنشاء جامعة نجران ذهب أحد الشخصيات النجرانية المعروفة في القصيم وهو يحمل 13 ملفاً لطلاب يرغبون في الالتحاق بجامعة القصيم فكان رد المسؤول عن الجامعة حينها بأنهم يرحبون بجميع أبناء المملكة ولكنهم يضعون الأولوية لأبناء القصيم ثم أبناء المناطق المجاورة وإذا توفرت فرص بعدها فلا مانع لديهم لاستيعاب الطلاب الآخرين ونصح تلك الشخصية بالذهاب إلى جامعة أبها، فكانت هذه الرؤية المنطقية محل احترام لدى الجميع، لذلك فإن التمييز الإيجابي لأبناء منطقة نجران في توزيع الفرص الدراسية والوظيفية هو أمر يتماشى مع سياسة الجامعات بالمملكة ولا يتناقض مع الرؤية الكلية لهذه المؤسسات العلمية.
ومما تقدم يتضح لنا جلياً أن هناك خللاً جوهرياً في طريقة التفكير التي تتبعها جامعة نجران الحالية في تسيير هذه المؤسسة الحيوية وربطها باحتياجات المجتمع الفعلية ومن هنا تبرز الحاجة إلى ضرورة وجود شراكة حقيقية بين الجامعة ومكونات هذا المجتمع، وهذه الشراكة لن تحدث إلا عبر عملية متكاملة تبدأ بتسهيل إجراءات الانتساب للطلاب الدارسين وتوسيع فرص التدريب والاستفادة من كل الخبرات والكفاءات الموجودة بالمنطقة لصالح العملية التعليمية بالجامعة، وقبل هذا وذاك لابد من وضع رؤية إدارية محددة تنأى عن المحسوبية والتحيز وتسعى نحو فتح الأبواب بصورة حقيقية أمام الجميع للمساهمة الفعلية في تطور هذا الصرح العلمي الكبير، ولن تتحقق هذه الرؤية إلا بتوفر الثقة بين هذه الجامعة وكل أطياف المجتمع بالمنطقة وذلك انطلاقاً من النهج الرشيد لقيادة هذا الوطن الكبير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤١) صفحة (٨) بتاريخ (٠٩-٠٩-٢٠١٦)