د. محمد المنصوب - طبيب وكاتب وخبير بالشأن الصيني

د. محمد المنصوب – طبيب وكاتب وخبير بالشأن الصيني

انعقاد قمة مجموعة العشرين في الصين، هذا التكتل العالمي الجديد الذي جمع تحت مظلته أهم عشرين اقتصاداً في العالم، مجموعة أو تكتل قوى جديد حديث العهد حل مكان منظمات وقمم سابقة كالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الصناعية السبع وغيرها من ملامح النظام العالمي للعقود المنصرمة.
لم نعد نسمع بقمة للدول الصناعية السبع ولا للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لأن خريطة وتوزيع القوى العالمية تغيرت مع نهوض دول كانت في السابق تابعة لا قول ولا فصل لها، كالصين والهند والبرازيل وتركيا.
انعقاد قمة العشرين التي يساوي مجموع اقتصادها ثلثي الاقتصاد العالمي، وفي الصين الدولة حديثة العهد في مسرح القوى العالمية وصاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، له مدلولات كثيرة منها أن القوى التقليدية لم يعد لها اليد الطولى في التحكم بالمعمورة، وأن قوى عالمية صاعدة تفرض نفسها على الساحة الدولية وبقوة وأهمها الصين والهند والبرازيل وتركيا حال لم يقض مضجعها اضطرابات داخلية أو إقليمية.
اختيار الصين لمدينة خانزو كمكان لعقد القمة لم يأتِ من فراغ بل جاء وكأنه عرض عضلات قوة عالمية لا يستهان بها، المدينة التي لا تعدُّ من أهم ثلاث مدن في البلد أبهرت العالم ببنيتها التحتية الضخمة وشوارعها وأبراجها الشاهقة وطبيعتها الخلابة، في مشهد يوضح التطور الهائل الذي جعل من المدن الوسطى في الصين تضاهي وتتفوق على عواصم غربية عريقة من حيث البنية التحتية والخدمية والخلفية الاقتصادية.
تفاصيل كثيرة حصلت في قمة العشرين تؤكد ميلاد قوى عالمية جديدة أكثرها طرافة هو رفض الأمن الصيني تجاوز المراسلين الأمريكيين خطّاً أمنيّاً أثناء نزول الرئيس الأمريكي من الطائرة الرئاسية، وصل الأمر لتشابك ألفاظ بين مستشارة الأمن القومي الأمريكي سوزان رايس وأحد رجالات الأمن الصيني بقولها: «دع مراسلينا يقتربون، هذا رئيسنا وهذه طائرتنا، فرد عليها: لكن هذه أرضنا والقمة مسؤوليتنا!».
لحسن الحظ أن ميلاد قوى عالمية جديدة، وتعدد الأقطاب في خارطة النفوذ والهيمنة هو دون أدنى شك من صالح دول العالم الثالث ومنها عالمنا العربي الذي حريٌّ به إعادة رسم خططه الاستراتيجية بتعدد التحالفات مع مختلف القوى سواءً التقليدية غرباً أو الجديدة باتجاه الصين والهند شرقاً.
كما يقول المثل الإنجليزي «الفرص لا تأتي دائماً»، فإنه حري بالعرب مد يد التحالفات مع هذه القوى الصاعدة التي هي أيضاً تتطلع لبناء أكبر قاعدة تحالفات خاصة مع المنطقة العربية الغنية بالثروات، وأهم ما يميز هذه القوى الصاعدة أن العلاقة معها تتسم بمبادئ الندية والابتعاد عن الهيمنة والتدخل في الشأن الداخلي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤١) صفحة (٨) بتاريخ (٠٩-٠٩-٢٠١٦)