سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

من كتب التاريخ الإنساني؟! من بنى الحضارات؟! من رسخ المفاهيم والقناعات والعقائد؟! من الذين لانزال نتذكرهم رغم مرور آلاف السنوات على رحيلهم؟! بالتأكيد نحن نتذكر الفائزين، المنجزين أو كل من نطلق عليهم «العظماء». لكن هل من نتذكرهم فقط هم حقاً من فعل كل ذلك، أم إن خلفهم جيوشاً مجيشة من الجنود المجهولة؟! في الحقيقة إن سيرة البشر على هذه الأرض تشبه كثيراً سباقات التتابع؛ حيث تنتقل العصا من العداء الأول بعد أن يقطع المسافة المخصصة له إلى العداء الثاني فالثالث وهكذا، نحن فقط نتذكر العداء الذي قطع خط النهاية رغم أنه قد لا يكون بالضرورة هو العداء الأسرع أو الأمهر في المضمار. كل الاختراعات العظيمة مثلاً هي مبنية على عدد لا نهائي من الاختراعات والتجارب التي سبقتها وتقدمت عليها وجعلت اختراعها ممكناً أساساً. في كل حكاية هناك من لعب دور البطولة أو من أسبغنا جهلاً عليه دور البطولة المطلقة بينما كان معه عديد من اللاعبين الثانويين من منظورنا رغم أهميتهم الشديدة جداً لاكتمال الحكاية. تلك إذاً طبيعة بشرية نحن نزاعون إليها، إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يضيع عمل عامل، ويأبى أن تمحى تلك المشاركات العظيمة في إعلاء كلمته أو توصيل رسالاته فتضيع طي الكتمان.
هنا وفي ظل هذه الليالي المباركة تبرز لنا إحدى إشادات الله بسيدة عظيمة لعبت أحد أهم الأدوار في التاريخ الرسالي. هاجر، الأميرة النوبية السمراء الجليلة، الممتحنة الصابرة صادقة الوعد. زوج النبي وأم النبي وجدة خاتم الرسل عليهم وعليها أفضل الصلاة وأجل التسليم. ملايين البشر تجتمع من كل حدب وصوب تمشي على خطاها كل عام في الشعيرة الإسلامية الأوضح والأضخم. أربعة آلاف عام تفصلنا عن الحكاية التي يحمل كل فصل من فصولها درساً عقائدياً جوهرياً يتجلى على لسان هاجر أو يتمثل في أفعالها. في بطن الوادي القاحل تقف ممسكةً برضيعها وقربة ماء صغيرة، يهم زوجها الكهل بهجرها حيث لا زرع ولا بشر، تكتفي بسؤاله: أربك أمرك بذلك! حين يجيبها بنعم، تطمئن وترد بكل سكينة: إذاً فهو لن يضيعنا. يعجب الخليل من قوة توكلها، يرفع كفيه داعياً لها ولذريته ويمضي. ينفد ماء القربة لكن إيمان وصبر هاجر لا ينفد، ورغم توكلها لا تتواكل وتنتظر في عجز، بل تسعى سعيها المقدس بحثاً عن فرج الله بين الصفا والمروة، فيبارك لها سعيها ويفجر تحت قدمي رضيعها ينبوعاً لا ينضب. تمر الأعوام ويكبر الصبي فيعود والده محملاً برؤيا عجيبة تأمره أن يذبحه، تعيد السؤال ذاته، أربك أمرك بذلك؟ يعيد الجواب ذاته (نعم)، تخالف كل مشاعر الأمومة وتخرس كل صرخات روحها المعذبة فترد: افعل ما تؤمر في أبلغ صور الإيمان والتسليم. يكافئ الله صبرها وصبر آل إبراهيم فيعيد لهم ابنهم ويفديه بذبحٍ عظيم. وفي كل عام يجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٢) صفحة (٨) بتاريخ (١٠-٠٩-٢٠١٦)