علياء الموسوي

علياء الموسوي

تذهب إلى أي مكتبة عامة أو متجر يبتاع الكتب على اختلاف توجهاتها وأفكارها، فترى الأرفف يقطنها الغبار وقد تلونت أوراق كتبها البيضاء باللون الأصفر دون أن تتلقفها الأيدي أو يحتضنها جدار آخر، بل تجدها في حالة يرثى لها، كمثل عجوز شاخ في دنياه وتداعت صحته إلى الأسوأ، ليتلقى مصيره في دار المسنين، ولكن هنا يكون مصير هذه الكتب الحاويات على أقل تقدير.
الجميع يعرف أن التكنولوجيا فرضت نفسها بقوة كبيرة واكتسحت جميع المجالات دون إنذار مسبق، وبثت المعلومة ولم تبال أنت ماذا تقرأ وماذا تريد وفيم تفكر، بل جعلتك تتجه طوعا وتسابق الزمن للحصول على الفكرة قبل أن تطرح، مما جعل الأمر ينذر بكارثة وهي أن تفقد الكتب الورقية قيمتها ويكون مصيرها الهجران من قبل المجتمع، وتصير ضحية التطور لاغير ذلك.
حسناً، سأتعرض إلى لوم كثير من قبل القراء الأعزاء، سيقولون عني متناقضة في الطرح والفكر، فهي عاملة في هذا المجال الإعلامي الضخم وتحث على التطور، ولكنها لا تؤيد الكتب الإلكترونية ولا تحبذ الاتجاه إليها، التي دخلت معها غمار المنافسة اليوم الكتب المسموعة التي بدأت تغزو الساحة بإصرار وحماس كبيرين.
أنا لا أنكر أن الكتب الإلكترونية والمسموعة ساهمت في انتشار أفق المعلومة من الشرق إلى الغرب بل وسعت مدارك الاستفادة، فيمكنك وأنت تقود السيارة أن تدير مفتاح المسجل، لتستمع إلى رواية شيقة أو كتاب فكري رائع، كذلك يمكنك وأنت جالس في منزلك وعلى سريرك، بكبسة زر تجد نفسك زرت العالم أجمع ومدنا لم تعرفها ولم تسمع عنها أبدا في حياتك، تراها أمام عينيك، وكله من خلال هذه الكتب التي وجدتها.
صحيح أن دور النشر والطباعة في هذا العصر، تفرض أسعارا خيالية على كل كتاب تطبعه، من دون أن تراعي المستوى الاقتصادي للمجتمعات، سواء أكانت العربية أو الغربية، وهذا أهم العوامل التي تعزز انخفاض مدخولها السنوي وانصراف كثيرين إلى الكتاب الإلكتروني والسمعي، ولكن الأمر ليس كذلك فحسب!
جرب أن تذهب إلى أي من المكتبات العامة، ستجدها تشبه بيت الأشباح، والسبب أن الذائقة الشبابية لم تعد تقدس الكتاب الورقي، لم يعد له هيبة يخشاها الكبار والصغار مثلما كان في السابق، ولو تسأل العاملين في هذا المكان، سيؤكدون لك أن الزيارات تكون محدودة وشبه قليلة أيضا، فأضحت المكتبة تحفة خالدة توضع في المتحف ولا تُلتقط لها صور حتى!
وعلى الرغم من توالد المبادرات الشبابية والمعارض المنظمة في سبيل التطوير والتأكيد على أهمية الكتاب الورقي، بالأخص إقامة معارض الكتب المستعملة، إلا أني أجد أن الكتاب الورقي في صراع كبير مع الزمن، خصوصا أن ذائقة القراءة عند الشباب سواء أكان المؤلف أو القارئ في تراجع ملحوظ، وإن كنت ممن يشجع على انبثاق موهبة الكتابة الأدبية، ولكن مع الأسف الشديد هذا ما تعاني منه الساحة المجتمعية اليوم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٣) صفحة (٩) بتاريخ (١١-٠٩-٢٠١٦)