وطننا لا يقبل التصنيفات ولا يقبل التقسيمات ولا يقبل الطائفية، ولا المناطقية، وينبذ الإرهاب ويحاربه، ووطننا هو وطن للجميع بوجود الحرمين الشريفين، ومكة المكرمة تنصهر وتذوب فيها الاختلافات العقدية والفكرية وهي أنموذج مشرف للتعايش السلمي بين المسلمين بمختلف عقائدهم وأطيافهم

نبارك لجميع الأمة الإسلامية بعيد الأضحى المبارك، ونسأل الله أن يجعل هذا العيد المبارك زيادة في التآلف والإخاء بين المسلمين جميعاً.
في هذا اليوم يجتمع حجاج بيت الله في منى لأول أيام التشريق كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم أسودهم وأبيضهم لا فرق بينهم، مطلبهم وسعيهم واحد ابتغاء مرضاة الله والفوز بالجنة، وهذه من مزايا الحج، حيث إن الحجاج تذوب أعراقهم وأفكارهم ومذاهبهم في مكة أمام البيت الحرام عندما يقفون صفّاً واحداً متوحدين في اللباس «الإحرام» إخوة في العقيدة ومتوحدين في المنسك والمطلب.
الحج شعيرة من شعائر الله، فكان الناس يحجون البيت منذ أن بناه إبراهيم عليه السلام وأطلق دعوته «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ..»، وكان الحج قبل الإسلام يختلف عن شعائر الحج بعد الإسلام، حيث كان العرب يأتون إلى سوق عكاظ ويتبايعون ويتشاعرون بعدها يتجهون إلى «مجنة» وهو سوق قديم ومن ثم يتوجهون إلى مكة في الأشهر الحرم. واشتهرت قريش عن طريق زعمائها بالسقاية والرفادة للحجاج وذاع صيتهم في الآفاق، وبعد أن تم فتح مكة في السنة الثامنة زادها الله شرفاً وتعظيماً. كلف الرسول عليه الصلاة والسلام الخليفة أبا بكر- رضي الله عنه- أن يكون أميراً على الحج في السنة التاسعة وهي السنة التي نزلت فيها أوائل سورة التوبة التي تنص على عدم السماح للمشركين بالحج بعد عامهم هذا، وأصبح أمير الحاج عرفاً ثابتاً في العصور الإسلامية المتقدمة والمتأخرة، وتطور هذا الأمر بعد ذلك في ترتيب قوافل الحجيج وتعيين أمراء عليها وقضاة وجيوش تحرسها من قطاع الطرق وغيرهم، وكانت تلك القوافل التي تنطلق من العواصم الإسلامية آنذاك مهددة بقطاع الطرق أو الوحوش المفترسة أو تقلبات الجو المستمرة، فلا يكادون يصلون إلى مكة إلا بعد عناء وجهد كبير، ولنا في بعض الصور القديمة التي مضى عليها أكثر من مائة عام شاهد على ذلك، وتعرفنا على المعاناة الموجعة التي كان يواجهها الحجاج آنذاك، وكانت وسائل الاتصال تنقطع تماماً عن الحجيج بينهم وبين ذويهم وبينهم وبين قيادتهم المركزية، فكان هناك شخص يعرف باسم «مبشر الحاج» وهو الذي يعود إلى الديار قبل الحجاج بأيام ويبشر السلطان والأهالي بسلامة الحجيج، ويوزع عليهم المكاتيب التي جمعها من الحجاج في مكة، ويُطمئِن السلطان عن مكة وأوضاعها واقتصادها، وبعد التطور والتقدم السريع تغيرت الأحوال فسَهُلت الطرق وأمِن الناس فأصبح الناس في نعمة من الطمأنينة وهذا من فضل الله تعالى على عباده.
أكرمنا الله تعالى بخدمة الحجاج كل عام وبأمنهم وصحتهم وغذائهم وتنقلاتهم وهذا شرف عظيم لنا، ولكن هناك من يحاول أن يخدش هذا الفضل والعطاء بتسريب شعارات ضدنا، وتأزيم الأمور علينا، وتقزيم دورنا في خدمة ضيوف الرحمن، وهذا غيرة وحسد منهم وأقصد بذلك «إيران» التي تحاول شق الصف وتصدير الطائفية النتنة وتشويه دور المملكة في خدمتها للحجاج الذي لا ينكره أحد من المسلمين.
وطننا لا يقبل التصنيفات ولا يقبل التقسيمات ولا يقبل الطائفية، ولا المناطقية، وينبذ الإرهاب ويحاربه، ووطننا هو وطن للجميع بوجود الحرمين الشريفين، ومكة المكرمة تنصهر وتذوب فيها الاختلافات العقدية والفكرية وهي أنموذج مشرف للتعايش السلمي بين المسلمين بمختلف عقائدهم وأطيافهم، فالبلد الحرام ومدينة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم مكانان مقدسان لعموم المسلمين، ويشد إليهما المسلمون إباط الإبل من كل مكان لينالوا الأجر والثواب من الله تعالى، فلا يمكن أن تكون أرض الحرمين أرض شعارات ومزايدات سياسية، ولا يمكن أن تكون موطن خلاف واختلاف فمن دخلها كان آمناً.
هنالك هرطقات يتبناها الإعلام وطبقة الملالي والساسة الإيرانيون حول تدويل مكة وما أدراك ما التدويل! وهنا أقول: إن شرف ومسؤولية خدمة الحرمين الشريفين هي ألزم واجبات بلادنا، وهذه المهمة تتكامل مع منهج ودستور المملكة منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه- وهو القرآن والسنة وكذلك خدمة الدين والمسلمين وتحقيق مفهوم الأمة الواحدة التي تستحق حمل الرسالة، فكيف يحلم الطائفيون بأن يكون الحرمان الشريفان تحت رعاية أحدٍ أيّاً كان، ومتى يفهم هؤلاء أن الحج شعيرة دينية لا تُقبل فيه المزايدات ورفع الشعارات ولا المسيرات السياسية التي تعكر صفو الحجيج وتؤثر عليهم أثناء حجهم، فهم قدموا من كل مكان وكلهم أمل ورجاء في المثوبة والمغفرة.
والمملكة سياستها واضحة للجميع وهي خدمة المسلمين جميعهم في شتى أنحاء المعمورة، ولا تفرق بين أحد في التعامل، ولذلك فهي لا تلتفت لأي من هذه الشعارات والنداءات المزيفة التي تعوّدنا عليها كل سنة، وهي ساعية في توفير أفضل الخدمات للحجاج والمعتمرين.
ختاماً، موسم الحج هو موسم عبادة ونسك لجميع المسلمين ولذلك لن نسمح لأي شخص كان أن يعبث أو يعكر صفو حجاج بيت الله الحرام مهما كلفنا ذلك من جهد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٤) صفحة (٩) بتاريخ (١٢-٠٩-٢٠١٦)