قبل أن تحط الطائرة في مطار القصيم، يمكن من نافذتها رؤية عشرات الآلاف من أشجار النخيل وارفة الظلال المكتنزة بالذهب الأصفر، أنواع من السكري والبرحي ونبتة علي، صقعي، روثانة، رشودية وغيرها، مما يدلل على اهتمام أهالي القصيم بهذه الثروة الغذائية والاقتصادية التي تتلاءم والظروف المناخية والمكانية بالإكثار من استزراعها، بتخصيص مساحات واسعة لها، ومن النتائج ضخ ما يزيد عن مليون وثلاثمائة ألف طنّ سنويّاً، الأمر الذي استدعى تنظيم مهرجانات لهذا المحصول الزراعي المهم في معظم مدن القصيم وأبرزها مهرجان بريدة للتمور، النموذج الحي والمشاهد، فبوصلة التألق تتجه إلى بريدة باعتبارها أكثر مدن القصيم سكاناً وعمراناً، وقبل أن تشرق الشمس يعج السوق بالبائعين وهم يحملون إنتاج مزارعهم في سيارات تنتظم في مقطورات تملأ ساحة المهرجان، بأنواع تتفاوت في أشكالها وأحجامها ومذاقاتها، والجميل في المهرجان ليس فقط في عمليتي البيع والشراء لهذا المحصول بل إن المهرجان استقطب عشرات الشباب في وظائف موسمية تدر عليهم دخلاً مناسباً، ويعود ذلك للتشجيع والدعم الذي يجده الشباب من شركة السلوم والغيث لتسويق التمور، وكنت وزملائي في الفريق الإعلامي أثناء تجوالنا في مسارات السوق لاحظنا التفاؤل الذي يملأ سحنات وجوه البائعين، فيما ترتفع أصوات الدلالين بكثير من الحبور ولسان حالهم يقول هذا منتجنا الزراعي «الذهب الأصفر» الذي نفاخر به، ويحق لهم إذ يوجد في القصيم وحدها ما يزيد عن 6 ملايين نخلة. وعلى هامش مهرجان «التمور» تقام فعاليات ثانوية اجتماعية وثقافية وأسرية حيث يمكن مشاهدة عشرات الأسر وهم يستظلون تحت ظلال أشجار النخيل بيعاً لأنواع من الأطعمة والصناعات الحرفية لتشكل في مجملها منظومة اجتماعية راقية فضلاً عن العائد الاقتصادي، وكان أمير القصيم فيصل بن مشعل آل سعود محقّاً حين قال: إن النجاح يحسب للأهالي بتكاتفهم وتعاونهم، ولم يتوقف حدود النجاح عند البيع والشراء بل بإقامة مشاريع ضخمة، وتأتي مزرعة الشيخ الراجحي أنموذجا فريداً في الاستثمار الأمثل باستزراع شتى أنواع التمور ومن بينها أشجار النخيل العضوية.
ويمكن القول بأن سوق التمور في بريدة أصبح علامة اقتصادية واجتماعية بارزة؛ ففي الجانب الاقتصادي تقدر قيمة المَبيع بحوالي نصف مليار خلال 25 يوماً، من خلال الصفقات، وعمليات البيع والشراء داخل ساحة الحراج الرئيسة.
ولمّا كانت القصيم وحدها تنتج مليوناً وثلاثمائة طن سنويّاً ويأتي المشترون من كافة مناطق المملكة ومن دول الخليج العربية، فإن تلك الأحلام التي يتحدثون عنها بأن يكون منتجهم عالميّاً ليصل إلى كل قارات الدنيا، ستتحقق بطموحات أبنائها.
وحتى تزداد قيمته الاقتصادية لا يجب أن يتوقف فقط عند منعطف البيع والشراء، فمن الضرورة بمكان إقامة المصانع لتحول المادة الخام إلى أنواع من البسكوت والحلويات والآيسكريم، أغذية الأطفال، مسحوق التمر، أنواع المربى، المعجنات وغيرها. كل منطقة من مناطق المملكة لديها كثير من الكنوز الزراعية والسياحية والمعدنية، الفارق القدرة في الاستثمار الأمثل لتعود على الجميع بالنفع والفائدة، ويأتي دور رجال الأعمال في استنهاض الهمم وصرف الأموال فيما ينعش الاقتصاد المحلي، ومن النماذج المضيئة التي تستحق الإشادة بها ما قام به الراحل الشيخ صالح الراجحي باستصلاح مساحة تقدر بألفي فدان فيها مائتا ألف نخلة تنتج عشرة آلاف طن من التمور سنويّاً؛ ليوزع كامل ريع المزرعة في الأوجه المختلفة من المصارف الخيرية، لتستحق أن تدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأكبر مزرعة تمور في العالم، ويقول مدير الإدارة الزراعية لأوقاف الراجحي في مدينة بريدة الأستاذ سعود الفدا بأن الإدارة الزراعية نحت إلى جانبين أولاً تنمية الكوادر البشرية من خلال الندوات وورش العمل، ثم إعطاء فرص وظيفية لكثير من الشباب السعودي.
رؤية 2030 تتوافق مع ما يقوم به أهالي القصيم في استثمار أراضيهم باستزراع أصناف النخيل المنتجة للتمور خصوصاً السكري لتدر على المزارعين دخلاً جيداً، فالأرض مباركة ومتى اجتهد الإنسان باستصلاحها ستعود عليه بالخير، والأجمل الاهتمام بعمتنا «النخلة» باعتبارها سيدة أشجار الصحراء، حيث تتحمل قسوة المناخ وتقدم محصولاً غذائيّاً متميزاً، فضلاً عن عمرها المديد لتسعة عقود.
أهالي القصيم بتعاونهم وتضامنهم يقدمون درساً مشاهداً وملموساً يمكن استنساخه ليطبق في مناطق المملكة لتستثمر كل منطقة منتجها الزراعي أو السياحي أو المعدني.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٤) صفحة (٨) بتاريخ (١٢-٠٩-٢٠١٦)