عبداللطيف السماعيل

عبداللطيف السماعيل

تواجه الأمة الإسلامية ودولها اليوم هجمة شرسة تهدد وجودها وتسعى لزعزعة استقرارها ودك تحصيناتها. تلك التحصينات التي وإن بدت قوية متماسكة إلا أن لها أبواباً يستطيع العدو ولوجها والتغلغل في المجتمع من خلالها لحلحلة نسيجه الداخلي ونشر الفرقة بين أطيافه، من أخطرها باب الطائفية. ولو أمعنا التأمل لأدركنا دون مجال للشك منذ تفجير «المراقد» و«الحسينيات» في العراق وحتى تفجير داعش الإرهابي في الحرم النبوي مروراً بإرهابه في دالوة الأحساء وقديح القطيف وعبدلي الكويت وغير ذلك وقبله وبعده، أن يد الخسة تعمل جاهدة على إشعال الفتنة وتهديد السلم الأهلي وهز المجتمعات من داخلها. وفي المقابل، وبالجرم المشهود ‫نجد أن الدم الحرام يُسفك في العراق وسوريا بصيحات «ثارات الحسين» وهيهات منا الذلة التي يصيح بها عناصر الحشد الشعبي والميليشيات الإيرانية بالتوازي مع إجرام عصابات الأسد وإرهاب الدب الروسي الداعم لهم هناك. وما ذاك إلا غيض من فيض لمحاولات تكريس الفرقة والطائفية، حتى انتهى بنا المقام في مؤتمر التآمر في غروزني الداعي إلى تشتيت المشتت وتفتيت المفتت الذي يَصْب نهايةً في مصلحة التخادم الروسي – الأمريكي – الإيراني في المنطقة.
ولمواجهة هذه الهجمة الشرسة والتصدي لمثيري الفتن ومؤججي الطائفية، فإن أول الحلول يبدأ من داخل الأوطان لا من خارجها، ويكمن في بناء نسيج مجتمعي متين والعمل على ضمان بقائه. يكمن ذلك في تعزيز الشعور بالانتماء للأرض والولاء للوطن بين شركائه ووحدة الهم والمصير، ويكون ذلك في نقاط رئيسة ثلاث كما أراها:
أولها: تعزيز مبدأ الشراكة المجتمعية بين أطياف المجتمع وطوائفه؛ إذ لابد أن يؤمن الشركاء ببعضهم بعضاً، والإيمان هنا يعني الإيمان بالحاجة إلى الآخر وإلى مشاركته، يعني الإيمان بوجوده وبحقه في الوجود، يعني أن تتقبله وإن رفضت منهجه، فالمهم أن تقبل أن يكون له منهج مختلف. وهنا نحتاج إلى تأصيل الفرق بين الاختلاف الفقهي والاختلاف العقدي، وذلك بأن السلم الأهلي والشراكة المجتمعية لا يعنيان تطويع الخلاف العقدي ليكون فقهيّاً، كما أن الاختلاف العقدي لا يعني الاحتراب والتطرف وتسويغ التفرق والطائفية.
وثانيها: تعزيز قيمة التسامح؛ فالأوطان تبنى بالتسامح وتجاوز نقاط الخلاف ومسببات الفرقة، وإظهار النيات الحسنة، والتغافل عن زلات الماضي، والتبرؤ من الأعداء، وتهدم بالأحقاد، واستحضار الثارات، وحملات التشكيك والتخوين والمزايدات.
وثالثها: تحقيق العدل، الذي يعدُّ حجر الأساس لبناء النسيج المجتمعي وترسيخ الشراكة المجتمعية وتعزيز قيمة التسامح وقيمه. والعدل يعني المساواة بين الشركاء في الفرص والحقوق والواجبات دون منة أو فضل، والمساواة في تطبيق القانون والقصاص من المجرمين دون بطش أو تهاون.
وهنا تجدر الإشارة إلى خطورة تصنيف شركاء الوطن والمزايدة عليهم بالولاء واتهامهم بالانتماء للأعداء والتأجيج ضدهم والاستشهاد بأحداث هنا أو هناك، فلا أحد محسوب على أحد وكل يؤخذ بجريرته، العدل يقتضي هذا والحكمة تنشده. فكما أنه لا يمكن نسبة العمليات الإجرامية لمواطنين فقط لكونهم يشاركون المجرمين نفس المعتقد، فإن العداء مع دول إجرامية‬ لا يبرر الاحتراب مع مواطنين آخرين يشاركونها المعتقد ولا يعطي الحق بالتأليب عليهم. وإن كان لابد من الاحتراز والتعقب والمراقبة فيكون للمشتبه فيهم بناءً على سلوكهم وتصرفاتهم وليس بناءً على انتماءاتهم الفكرية والمذهبية والعقدية، ويكون ذلك للسلطة دون غيرها. في المقابل فإن على شركاء الوطن أن يتبرأوا صراحة وحقيقة من كل المجرمين الذين ينسبون أنفسهم إليهم ويدّعون نصرتهم لتبرير أعمالهم الإجرامية في حق الوطن وأهله.
إن الوطن بناء لا يختار لبناته ولا تختاره، ولكنه يضمها فيه لتتشارك في نمائه، فحافظوا على بنيانكم يُعلِكم ويَعلو بكم. ولا تضرموا نار الفتنة فيه فيهوى بكم ويتهاوى عليكم. حددوا عدوكم وواجهوه مجتمعين، لا تحولوها إلى طائفية وإن بدت كذلك فإنها من أقصر طرق العدو للوصول إليكم.
تذكروا أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، واعدلوا هو أقرب للتقوى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٤) صفحة (٨) بتاريخ (١٢-٠٩-٢٠١٦)