باسم سلامة القليطي

أول أيام العيد قبل المغرب بساعة وصلت إلى بيت عمي، ومعي خروف العيد في حقيبة السيارة (أسير)، ولكني اكتشفت أن هذا الأسير خطير، فبعد أن كان وديعاً مستكيناً وقد رُبطت قدماه، وبقيت أمامه دقائق في هذه الحياة، نظرتُ إليه نظرة إشفاق ورحمة، تحولت بعد ثوانٍ إلى دهشة وصدمة، تفلسفتُ كالعادة، ولم أنتظر أحداً من الشباب ليساعدني في إدخال الخروف للبيت كي يُذبح على السطح، وما إن هممتُ بإخراجه من الحقيبة، إلا وباغتتني منه ركلة، وقفز بكل رشاقة، وانطلق يعدو بأقصى طاقة، أربكتني المفاجأة ولم أُحسن التصرف، واكتشفت أن خروفي مُتطرف، فصرتُ أجري وهو يجري أمامي، حيناً بالسيارة وحيناً على أقدامي، وكأننا نلعب (عسكر وحرامي)، وكان يُجيد فنون المراوغة كأنه الخروف (ميسي)، حتى إنه تسبَّب في حادث بين سيارتين بحركة بهلوانيّة، وأكمل هروبه دون أن يبالي، وأنا كذلك هربت مثله، فكيف أتحمَّل تبعات خروف مشاكس ربما لن أذبحه، فتصبح الخسارة خسارتين، والمُشكلة مُشكلتين، فغيّرتُ طريقي كي لا يتم الربط بيني وبين هذا المتهور، وهنا فقدتُ أثره ولم أعد أراه، فصرتُ أسأل المارة (خروف تائه يا أولاد الحلال)، فبعضهم يُجيب بعقد الحواجب يحسبني ساخراً، وبعضهم يُجيب بابتسامة يظنُّ أنها دُعابة، وقِلة فقط من أخبروني أنه ذهب من هنا أو ذهب من هناك، وصرتُ أتنقَّل من شارع إلى شارع، وما زال خروفي المشاغب ضائعاً، وغرفة العمليات بقيادة ماجد وفواز معي على الجوال تتابع، متأهبين لتقديم الدعم اللوجستي، وبعد أن بدأ اليأس بالتسرب إلى عقلي وإذا ببارقة الأمل تأتي، من خلال رجل في الشارع يؤشر لي بأن خروفي ذهب باتجاه مواقف (السوق الدولي)، وللآن لا أعرف كيف ربط بيني وبين الخروف، لكن لعلَّه يتمتع بالفراسة وأن تعابير وجهي تدل على الحيرة والضياع المُصاحبة لمن فقَدَ شيئاً عزيزاً، وما إن دخلت المواقف حتى وجدته أمامي يتمخطر، وحانت الآن المواجهة الأخيرة، مواجهة حياة أو موت (طبعاً بالنسبة للخروف)، أما بالنسبة لي فهي أخطر وأعظم، فهي مواجهة كرامة كي لا أُصبح مادة (للطقطقة) في كل عيد حين يذكرون هذه القصة، وربما بالغوا وأرَّخوا هذا العيد بهذه الحادثة، فتجدهم حين يريدون تذكير بعضهم بهذا العيد يقولون: (يا شيخ هذاك العيد اللي ضيَّع باسم فيه خروفه)، وليتهم بعدها يسكتون لا سيتبعونها بضحكات شرِّيرة طويلة، تُنغِّص عيشي، وتقضُّ مضجعي، أعود للمواجهة، فالوقت بدأ يداهمني ويجب أن أذكِّيه قبل الغروب، وهو ما زال يواصل الهروب، ويحاول إضاعة الوقت وكأنهُ لاعب في فريق مُنتصر يتراقص بالكرة في آخر ثواني المُباراة بانتظار صافرة الحكم، لكني هذه المرة هاجمتهُ بضراوة وانقضضتُ عليه انقضاض الأسد على الغزال، وأمسكته من قرنيه ووضعته داخل حقيبة السيارة، وعدتُ للبيت مسرعاً، واستقبلني الشباب استقبال الأبطال، وأخذوا الخروف وأصعدوه للسطح وذبحوه، وأنا ما زلت ألتقط أنفاسي من شدة التعب، ولم أحس بلذة الانتصار إلا وأنا (أُشلّوط) رأس الخروف وأقلِّبهُ على النار بكل اتجاه، ولكني توقفت فجأة بعد أن لمحت على شفتيه ابتسامة ساخرة سلبت مني مُتعة الانتصار، وكأنه يقول من خلالها: نشِّفت ريقك ونشِّفت دمَّك، وأحرجتك عند أرحامك وعمك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-٠٩-٢٠١٦)