حمد الصالح

حمد الصالح

كان مكّي جلاّد لاعب كرة قدم في نادٍ متواضع جداً في إحدى ضواحي مدن الشمال الباردة. قدّم مستويات أفضل مما اعتاد عليه في موسمه الماضي، ممّا أدّى إلى استقطابه لأحد أندية العاصمة الكبيرة من قِبَل رئيس النادي الذي أتمّ صفقة عمره قبل التوقيع مع اللاعب التي تقدّر قيمتها ببضع مئات من ملايين الريالات. قدّم اللاعب مكّي مستويات مقبولة خلال مواسمه الأولى في النادي، وطوّر من قدراته ومهاراته باللعب حتى وصل لأقصى مراحل العطاء الذي يمكن أن يقدمه للنادي. مثله كمثل أي منتج آخر، حين يُنشأ وينمو حتى يصل لمرحلة النضج «القمة» ثم يبدأ بالانخفاض تدريجيّاً، ويتدهور ليصل بعد ذلك إلى نقطة ما قبل البداية. الجدير بالذكر هنا أن بعض المنتجات التي تُدار من قِبل قيادات أكِفّاء يتم دعمها بلمساتٍ تطويرية قبل أن تدخل إلى مرحلة التدهور لتستمر فترة النضج لأطول مدة ممكنة. وبذلك تنمو الأرباح أكثر بدلاً مِن أن تنخفض. «دورة حياة المنتج» تشبه في فكرتها كل شيء قابل للتطوير، مثل اللاعب مكّي تماماً، فبعد أن وصل لمرحلة التدهور واعتزل اللعب التحق بإحدى الجامعات ليدرس بها ويتخرج فيها بشهادة جامعية محترمة رفعت من قيمته المجتمعية والثقافية. إصراره على التطوير المستمرّ والطموح بالأفضل دائماً أعانه بعد الله لاستكمال دراسته العليا ليصبح بعد سنوات من اعتزاله اللعب إنساناً حاصلاً على درجة الدكتوراة بعد مرحلة طويلة وشاقة من الجد والكفاح. التحق الدكتور مكّي بمعهد الدراسات الدبلوماسيّة أثناء فترة دراسته في الخارج للباقته وكفاءته؛ لتزداد بذلك لياقة هذا الشاب السعودي المثابر. اللياقة البدنية (كونه لاعباً سابقاً)، اللياقة الذهنية من خلال العلم والمعرفة (كونه متخرجاً بدرجة الدكتوراة)، واللياقة السلوكية والثقافية والفِكرية (كونه ينتمي لمنشأة حساسة وذات طابع مختلف). كان الدكتور مكّي نشيطاً جداً وذا تأثير على الرأي العام ومُلماً بالإعلام السعودي بحيث إن كلمة صغيرة، تخص فئة معيّنة من المجتمع، قالها في إحدى القنوات التليفزيونيّة قد طُبِعَت جرّاءها عشرات بل مئات المقالات المندّدة له ولفِكره. كذلك كان المشهد، بعد تلك الكلمة، مملوءاً بالصور المبالغ فيها؛ إخوانٌ تشابكوا، أقرانٌ تفرّقوا، سُفهاء شتموا وحُكَماء سكتوا. شخصياً، لم أعلم عن مدى تأثير الدكتور مكّي على الشارع السعودي إلاّ بعد أن رأيت ردة الفعل القوية التي تلقّاها بصدرٍ رحب وبحكمة. رجعت بالتفكير إلى السبب وراء ذلك الهجوم على شخصية ناجحة ومثابرة، أدركت حينها بأن الدكتور قد مرّ بعدة مجتمعات منفصلة ومختلفة عن بعضها بعضاً. المجتمع الرياضي، المجتمع الثقافي، والمجتمع الدبلوماسي. وكلّ مجتمع قد كوّن بداخله أصدقاء وزملاء وبطبيعة الحال، أعداء. وبالعودة إلى التصريح الذي اعتبره البعض مسيئاً لفئة معيّنة في المجتمع، من الطبيعي أن أدرك بأن «غلطة الشاطر بألف» وأن الناجحين محاسبون على إملائهم قبل قصدهم، وعلى حروفهم قبل نيتهم. إذا تعددت النجاحات على مستويات مختلفة وعلى أصعدة مختلفة، فخلف كل نجاح وإنجاز هُناك مَن سيكون مستعداً ليفسده. من الجانب الآخر، إذا افترضنا جدلاً بأن الدكتور أخطأ خلال التعبير عن رأيه، فليس من التحضّر بأن نشتمه أو نخاصم أنصاره. خُلاصة القول، الفرق بين المتعلّم والجاهل تكون في «ردة الفعل». والفرق بين المتحضّر وغيره من الناس تكمن في الرد على ردة الفعل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٦) صفحة (٨) بتاريخ (١٤-٠٩-٢٠١٦)