رشا جبران

العلوم الطبيعية في المملكة بالنسبة للبنات مقتصرة فقط على الفروع الأربعة والكيمياء أحد أهم هذه الفروع، ولكن أيضا هو من أكثر التخصصات تهميشا في بلادي!
حقيقة نحن لا ندرس في بلادنا العربية من الكيمياء إلا القشور، بينما تحتل الكيمياء مكانة مرموقة جدا بين العلوم، وهي من أهم العلوم في بلاد الغرب، فلولا دراسة الجزيئات والذرة لما بلغ العالم هذا التقدم الواضح.
في بلادي فقط وفي جامعاتنا السعودية الكيمياء بلا مستقبل، بلا خطط دراسية مطورة، وبلا حياة!
رغم أن دراسة الكيمياء لها نكهة خاصة، بحيث لو فهمت أساسياتها لن تضطر لحفظ الكثير بل تصبح المعلومات في تتابع متسق بافتراضات منطقية، فالكيمياء تعطيك الفرصة لتعيش مع المجهول والعالم الأصغر من الماديات وتجعلك تستمتع بالظواهر الناتجة من امتزاج المواد وتفاعلاتها.
لكن الكيمياء لدينا تخصصاته الدقيقة قليلة جدا وليست متنوعة، كما أن هذا العلم يُدرس في جامعتنا نظريا! والجزء التطبيقي يكون %20 مقارنة بالجزء النظري البحت. وغير هذا كله؛ تُخرج كل جامعة من جامعات المملكة سنويا ألف خريج كيميائي مصيرهم البطالة أو التوظيف في وظيفة ليس لها علاقة بتخصصه!
وليست المشكلة فقط بتدريس هذا العلم بشكل نظري بل هناك مشكلة أخرى، وهي أين سيتم توظيف الخريجين الكيميائيين بعد التخرج؟ لو تم تبديل طريقة تدريس الكيمياء من الطريقة النظرية إلى الطريقة العملية أو التطبيقية؟ فمراكز الأبحاث التي لدينا قليلة بالنسبة لأعداد الخريجين.
لكن ماذا لو حصل الخريج على «ترم» أو سنة تدريبية في أي من المجالات التالية، حتما سيختلف الوضع، فلو تخرجت ألف طالبة من الكيمياء مثلا وتم إجبارهن بملأ استمارة لمعرفة رغبتهن بالتوظيف في أي مجال تكون؟ المجال الصحي مثلا أو مجال التعليم أو مجال الأبحاث أو مجال الصناعة، ومن هنا نبدأ بتقسيمهم إلى شعب على حسب الرغبات ويتم تدريبهن تدريبا سنويا أو فصليا على حسب الرغبة وبهذا نفتح مجالات أوسع أمام الكيميائي القادم.
الأفكار لا تقتصر فقط على الكيمياء بل يمكن تطبيقها على الفروع الأربعة جميعها ولكن حديثي هنا خص الكيمياء لأنه مجال تخصصي الدراسي الذي كان ولازال شغف بالنسبة لي فالكيمياء ليس كما يقال عنه أنه بلا مستقبل وتخصص ضعيف ونهايته إما التعليم العام أو البطالة!
الكيمياء أعظم وأجمل مما يتفوهون به ولكنه لم يلق اهتماما يليق بعظمته في المملكة، لكن إذا نظرت لهذا العلم خارج حدود المملكة، في بلاد الإنجليز مثلا، فستجد أن الكيمياء لديهم في مقام الطب والهندسة لدينا، لكن ماذا عساي أن أقول؟
هل أقول الحقيقة المرة؟ هل أقول إن التعليم لدينا مع الأسف ضعيف وإن هذا الضعف من هذه الأجيال غير المدربة وغير المؤهلة لهذه المهمة العظيمة.
أم ألقي بالذنب على مسؤولي التعليم العالي الذين صبوا جُل اهتمامهم بالحفلات وأرقام التقييم والاعتمادات وباقي الأمور المزيفة! ونسوا اللب والثمر الذي نبت بلا عناية!
فلا خطط دراسية تطورت ولا أفكار تجددت ولا حلت مشكلة تخريج دفعات هائلة من الطلاب بلا تدريب وبلا أماكن للتوظيف! وأشياء كثيرة لو أكتبها لما كفتني صحيفة!
أنا هنا أتكلم عن معاناة العلوم الأربعة علوم الحياة خصوصا علم الكيمياء الذي ولد عربيا لكنه تربى وترعرع غربيا وها هو يحتضر بيننا ليلتقط أنفاسه عند الغرب!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٧) صفحة (٨) بتاريخ (١٥-٠٩-٢٠١٦)