مشعل أبا الودع الحربي

تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأقصى خلال السنوات الخمسين الماضية قصة مطولة ومعقدة ولابد أن يكون المرء على باع طويل من المعرفة حتى يستطيع القول بأنه على دراية ولو بالقدر الرئيس من الكتابات المتصلة بالموضوع أو أنه يملك في عقله صورة الأحداث كلها وجوانب الظروف المعقدة في نهاية الحرب العالمية الثانية وما جرَّته من ويلات على شعوب شرق آسيا، وأنا لا أملك هذا الزعم فليس لي خبرة شخصية بذلك الجزء من هذا العالم ولا أكثر اطلاعاً عليه فيما يخص توسع أمريكا في أحوال الشرق الأقصى الذي مَنَع التمدد الصيني الشيوعي في آسيا حيث لا تريد أمريكا ظهور قوة في الشرق الأقصى منافسة لها.
إن أهمية سياسة الباب المفتوح على مصراعيه تكمن في أنها إلى حد بعيد رسمت نمطاً قُيِّض له أن يصبح سمة في الدبلوماسية الصينية للانفتاح على العالم طوال أربعين سنة مضت؛ فقد ظل الباب مفتوحاً للحفاظ على وحدة الصين وسلامتها الإقليمية والإدارية. كانت النغمة المتلازمة في عقول الأمريكان طوال تلك الفترة هي حث الدول المجاورة للصين على الاعتراف بتلك المبادئ «الرأسمالية»، ونجحت في استقطاب إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وفشلت في فيتنام ولاجوس، ولم تنقطع عن تلقي ردودها المشروطة بالدعم والتضييق على معقل الاشتراكية وإنهاء أيديولوجيا كارل ماركس مؤسس قانون الاشتراكية على عهد لينين وماو تنغ التي تحمل التردد والتهرب والمراوغة لتفيدهم أن لا أحد ينكر المبادئ وإنما الأمر يتعلق بتفسير تلك المبادئ على أنها اعتراف بعدالة نظريتهم، والتعبيرات عن الندم والأسف من الآخرين دليل على استعداد للإصلاح، وما كانوا يقرون بأي حال من الأحوال بأن تدخلاً من هذا الضرب في شؤون الدول الأخرى في الصين يحمِّل كاهل أمريكا مسؤولية أو ينطوي على التزام تجاه أي طرف أو أمر سوى ضمائرهم وهذا ما حدث في حرب فيتنام التي خرجت منها أمريكا تجر أذيال الهزيمة وكانت متخوفة من التدخل في العراق أسوة بفيتنام رغم تواطؤ بعض الدول العربية معها لضرب بلاد الرافدين والانسحاب منها وتسليمها عهدة لإيران على غرار انسحابها من كابل وجعل الصراع مستمرّاً بين طالبان ومن جعلتهم رؤساء على الأفغان صوريين!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٨) صفحة (٨) بتاريخ (١٦-٠٩-٢٠١٦)