عباس المعيوف

عباس المعيوف

يفترض في الشخصية المسلمة أن تكون جاذبة للآخر في المذهب الواحد وفي الدين بوجه عام، وأن تكون مبنية على أسس إنسانية إذا سلمنا أن هناك خلافاً فقهيّاً وعقائديّاً لا يدعو لكره الآخر، فقدان ذلك يعني ببساطة الشعور بالكراهية والتعصب للرأي الواحد.
بعضهم يحمل في قلبه مشاعر الحب والود والألفة والاحترام مع من يتفق معهم في نفس الاتجاه، وهذا جميل، ولكن الأجمل أن تتسع روحه للجميع بمختلف ثقافاتهم وهذا هو النجاح الحقيقي، نختلف نعم نتقاتل لا، هذه الكلمات يجب أن تكون حية في أي مجتمع يسعى للسلم الأهلي، عندما نؤطر خلافنا الفكري في دائرة علاقاتنا الاجتماعية على أساس «أنت معي في الفكر أو لا» مات المجتمع وسقط، ومن الخطأ أن يصبح عقلك رهين أفكار محدودة وعلاقات مبنية على «قالوا وسمعت» ولا تحمل إلا وجهاً واحداً للحق.
ترك الساحة لهؤلاء الذين يقفون في وجه الإبداع والتطور والانفتاح على ثقافة الآخر وتحويل الموروث الاجتماعي إلى مقدسات يبقي حال الأمة في المستقبل كئيباً ويقول إن هذه الحياة أيام معدودة حسب مفهومهم الضيق.
مثل هذه النماذج من البشر جعلوا مع الأسف الدين شكلاً لا مضموناً ووضعوه في أطر ضيقة جدّاً كما يقفون صدّاً منيعاً للحوار في الساحة العلمية.
في المقابل إحدى أبرز سمات الشخصية المتدينة العقلانية التي هي الرسالة الحقيقية للدين الإسلامي التكافل الاجتماعي وبث روح التسامح والحوار مع شرائح المجتمع دون تمييز ولا تسقيط، وأن يكون النقد للأفكار لا نقد الذوات، غياب هذه السمة يعني الجمود الفكري المتخلف وتهديد المسار الحضاري لجميع المجتمعات سواء كانت إسلامية أو علمانية.
ظاهرة التعصب الأعمى هي أحد مظاهر الجمود الفكري وأقرب عنوان لهذا الجمود الدفاع المستميت عن رموز وشخصيات لا يأتيهم الباطل البتة كما يرون، العقل يدعونا إلى التعقل ولا تعقل لمن لا عقل له.
يعرف عالم النفس الدكتور مصطفى زيور التعصب بأنه «ظاهرة اجتماعية لها بواعثها النفسية» وبالتالي فيمكن أن تتعدد مظاهرها دون أن يغير ذلك من صورتها الاجتماعية البحتة، فالتعصب الديني مثلاً لايختلف في شيء البتة عن أي تعصب آخر سواء كان قوميّاً أو طائفيّاً أو قبليّاً أو وطنيّاً أو مناطقيّاً أو عرقيّاً، فكلها صور وتشكلات لظاهرة اجتماعية واحدة لكل صورة منها بواعثها النفسية الداخلية، ومن هذا المنطلق – أعني اجتماعية ظاهرة التعصب – فقد تناول علم النفس الحديث الاتجاهات التعصبية على أساس دراسة جذورها ومكوناتها البيئية والثقافية التي عملت على تعميقها وتضمينها «اللاشعور» الفردي، وهو ما يعني أنها ليست صفة بيولوجية تنتقل تأثيراتها عبر المُورِّثات الجينية من جيل إلى جيل، إنها ببساطة شديدة ظاهرة من ظواهر الاجتماع البشري يستطيع الناس اكتسابها وفق شروط ثقافية واجتماعية معينة.
في النتيجة، عقلك هو من يحدد مسارك الفكري وهو الذي يصور لك قراراتك المسؤولة عن علاقاتك الاجتماعية؛ فأنت من تصنع النجاح مع الناس وأنت من تصنع الفشل وكن على يقين أن القناعات لا تأتي بالقوة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٤٩) صفحة (٨) بتاريخ (١٧-٠٩-٢٠١٦)