عبداللطيف السماعيل

عبداللطيف السماعيل

سؤال مصيري أوجهه لأولياء الأمور ممن لم يحالف أبناءهم القبول في الجامعة، بل وحتى لأولياء أمور المقبولين من الأبناء. أوجهه لأولياء الأمور وليس لأبنائهم، ليقيني أننا في مجتمع يؤثر بشدة على الطالب وذويه لدرجة لا يملك فيها الطالب قراره، ولا يستطيع تحديد خياراته وأهدافه وإدراك تبعاتها مع الأسف. أوجهه لأولياء الأمور نظراً لنقص المعلومة لدى الطالب وانخفاض مستوى تأهيله وإعداده لما بعد الثانوية مع الأسف. علاوة على انخفاض كمية الفرص التعليمية والتدريبية ونوعيتها وقلة الخيارات وعدم وضوح الرؤية مع الأسف. سؤال أوجهه لأولياء الأمور بعد أن هدأت العاصفة ليجيبوا عليه بأنفسهم بتعقل ومنطقية دون تشنج أو تغليب للعواطف، وكلي رجاء أن يخيِّب أبناؤهم ظني ويشاركوهم البحث عن الإجابة المهمة والمصيرية في تحديد مستقبلهم. وفي هذه الأسطر، سأطرح مجموعة من الأسئلة التفصيلية، أرجو قراءتها برويّة والإجابة عليها بتفكر عميق وبرويّة أكبر، علَّها تعين الطالب وولي أمره في إيجاد إجابة لعنوان المقال.
إن أول الأسئلة المطروحة هي تلك المتعلقة بالأهداف. والسؤال هنا يكون كالتالي؛ لماذا تريد لابنك أن يكون جامعياً؟ هل من أجل العلم أم الوظيفة والرزق أم للإشباع الذاتي أم انصياعاً للمجتمع وصوره النمطية؟
فإن كان الهدف من الدراسة هو حصول ابنك على مزيد من التعليم، فهل التعليم مقتصر على التدريس والتلقين أم يتعداه للبحث والتحليل والممارسة والتطبيق؟ وهل التعليم مقتصر على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أم يتعداه للمؤسسات التدريبية والتطبيقية والمعاهد المهنية والمصانع ودور الخبرة؟ ثم هل توجد هناك مؤسسات مهنية في الدولة تؤدي دورها بشكل موازٍ للمؤسسات الأكاديمية؟
وإذا كان الهدف من الدراسة الجامعية يكمن في ضمان الوظيفة وكسب الرزق، فالسؤال هنا يكون كالتالي؛ هل الوظيفة ضرورة حتمية، أم أن هناك سبلاً أخرى لكسب الرزق كالحرفة والعمل الحر؟
وإذا كنت ترى في الوظيفة ضرورة حتمية، فهل الوظائف مقتصرة على التخصصات الأكاديمية أم تتعداها للوظائف المهنية والتشغيلية؟ ثم ماذا لو زادت المنافسة بين خريجي التخصص الذي تبتغيه لابنك إلى درجة التكدس؟ وماذا لو كان التخصص غير مطلوب أصلاً في سوق العمل، أو أن فرصه الوظيفية متدنية؟
في المقابل، هل هناك وظائف مهنية تشغيلية في السوق يمكن لابنك التقديم عليها؟ وهل أجور هذه الوظائف مجزية وعادلة؟
وإذا كان الهدف يتعلق بالإشباع النفسي وتحقيق الرضا الداخلي لديك أو لدى ابنك، فالسؤال هنا؛ هل مستقبله يخصه بالدرجة الأولى أم يخصك أنت؟ وهل التخصص الذي ستختاره له أو تجبره عليه أو سيختاره هو بنفسه حتى، هل يتماشى هذا التخصص مع رغباته وقدراته ويحقق طموحاته وبالتالي يوصله للإشباع؟ وإذا لم يتمكن من الحصول على فرصة في هذا التخصص، هل لديك بدائل وتخصصات أخرى تحقق له الإشباع وإن بنسبٍ أقل؟ ثم هل الإشباع النفسي في الأصل يتحقق عندما تكون في وضع ومستوى معين، أم بمدى الرضا الذي تتمتع به أياً كان وضعك ومستواك؟
وإذا كان الهدف هو إرضاء المجتمع وصوره النمطية، فالسؤال هو ما مدى تأثير المجتمع على قراراتك؟ وإذا تعارضت نظرته مع رغباتك وقدراتك فأي الأمرين تختار؟ هل الأهم أن ترضي الناس وتحسن صورتك لديهم أو أن ترضي نفسك وتحسن من صورتك الداخلية أمام نفسك؟
والأسئلة تكون أكبر إذا وسعنا النظرة. فإذا أدركنا أن أغلب التخصصات الجامعية تخدم الوظائف التربوية والتنظيمية والإدارية والاستشارية والبحثية ووظائف التخطيط والتصميم والاستراتيجيات، فإن السؤال الاقتصادي المهم هنا، من الذي سينفذ؟ من هم العمّال؟ فإن أوكلت المهام التنفيذية للأجنبي، فمن الذي سيمتلك الخبرة المهنية التشغيلية؟ من الذي سيتحكم في السوق فعلياً بالمستقبل؟ ماذا لو غادر الأجانب إلى بلدهم الأم؟
وإذا كان الاقتصاد يزدهر بالصناعة، والصناعة عبارة عن استراتيجية وإنتاج، فهل يستقيم الأمر إذا كرَّسنا جهدنا في الاستراتيجية وأهملنا الإنتاج؟ الأسئلة لا تنتهي، وقد تحتاج للإجابة عليها إلى أبحاث ودراسات ودور مؤسساتي وحكومي كبير. ولكني أزعم أن البحث في إجابة الأسئلة المطروحة كفيل بمساعدة القارئ في التعرف على إمكانات ابنه وقدراته ومساعدته في اكتشافها وفهم الواقع واستشراف المستقبل، ومن ثم الإجابة على السؤال الرئيس، هل يجب أن يكون ابني جامعياً؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥٠) صفحة (٨) بتاريخ (١٨-٠٩-٢٠١٦)