إيمان يوسف الحسن

“بداية نهاية الحضارات سقوط الفن فيها” ابن خلدون، المقدمة.
الحديث عن الفنون في المنطقة خاصة، هو حديث ذو شجون، حديث يطول ويتشعب ليصل عمقه إلى قلب كل بيت يحوي شغوفا لم يجد ضالته ويشبع ميوله ولم يبدع فيخرج مكنونات روحه الجميلة لعوامل كثيرة ربما تختلف باختلاف أنماط المعيشة في كل بيئة. هنا أتحدث عن بيئتي خاصة وأعم بكلامي كل الفنون والأنشطة التي تمنح حب الحياة وتفتح الأعين على جمال التمتع بها يوما بعد يوم “الرسم والشعر والتمثيل والرياضة بل حتى الموسيقى والرقص الراقي كالباليه”.
الفن نتاج لمكنونات الأنفس التي بتباينها تحتاج لمجال فني أيا كان، لتظهر فيه جانبها الإبداعي وليكون مرآة للروح والعقل وما يخلد فيهما من أفكار متنوعة، يحتاج المجتمع للتطلع لهذا النتاج إن كان يسعى للرقي بمستوى الوعي وتبادل الأفكار. كذلك فإن أكثر ما يستطيع الفن تغييره بقلوبنا هو إبعادنا عن التطرف! نعم التطرف الذي بات يقلقنا، وهنا أتحدث عن التطرف بكل شيء ليس فقط الديني بل الاجتماعي والعاطفي، حيث تجد بعضهم متطرفا في كل حياته، إن أحب تطرف وإن كره تطرف وإن تبنى رأيا تطرف وقاتل ليجعل الكل على منهاجه، وهذا عادة لايحدث من ممارسي الفن ومحبيه، لأنهم يتطلعون لكافة نتاجات العقول ووجهات النظر، فتسمو نفوسهم بتقبل الآخر وتسمو أرواحهم بحب الكون وكل ما فيه.حسنا.. ماذا عن وضع الفنون لدينا؟!
أكاد أجزم بأن أغلبها موؤود تحت ظروف عديدة منها على سبيل المثال قلة الوعي بأهميتها وعدم الإيمان بكونها ركنا أساسيا في العملية التربوية بالبيوت والمؤسسات التعليمية، كذلك نظرة المجتمع واختلاف الآراء الدينية حول بعضها لاسيما الموسيقى والرقص، إضافة لقلة توافر المراكز الداعمة للفنون والرياضة في كل المناطق وصعوبة الوصول إليها إن وجدت لعدم توافر وسائل نقل عامة وأحيانا خاصة للنساء. في حين توفر الدول المتقدمة مدارس موسيقى ورقص رسمية للطلاب والهواة ، كما توفر ناديا رياضيا في كل حي (يشمل الجنسين)، بل وتجعلهم ضمن مقرراتها الأساسية وليس الفرعية في مؤسسات التعليم كونها تهتم بصحة الأبناء الجسدية والنفسية على حد سواء، إلا أننا مع الأسف لم نصل إلى حتى جزء من هذا حتى الآن لا سيما في مدارس البنات.
إن التطرف الديني والاجتماعي بات يقض مضاجعنا ويأخذ منا أبناءنا في زهوة تفتحهم، وباتت أرواحنا عطشى لفنون ترتقي بنا لعالم جميل متقبل.
أعتقد أن الفنون بروعتها هي الحل لتنشئة نفوس سامية متفتحة، فلا وسطية بلا فنون وكما قيل “لا حضارة بلا فن”.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥٠) صفحة (٨) بتاريخ (١٨-٠٩-٢٠١٦)