حمد أحمد البوعلي

حمد أحمد البوعلي

في صباح يوم الأربعاء الموافق 1437/11/21 هـ جاء النبأ الأليم، جاء الخبر كالصاعقة التي وقعت على قلوبنا. جاء معلنا انتقال حبيبتنا نورة أحمد البوعلي إلى جوار ربها، لقد عمت الأحزان لفقدانها، واعتصرت القلوب لفراقها، ولهجت الألسن بالدعاء لها، وارتفعت الأكف بالتضرع والحمد والثناء ولله الحمد على ما قضى، وكل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وفي لحظات الأحزان تختلط كل الألوان، ولم يبق في هذه الحياة سوى لون واحد – هو لون الوفاء. لون المحبة والصدق والإخاء، إنه من الصعب أن يجد الإنسان جوابا شافيا يعالج به جراحه وآلامه، ولكنه من السهل أن يستعرض ذكرياته وأيامه وأحلامه.
فبعد أن هدأت أعصابي واستقرت فرائسي تناولت يراعتي ولملمت أفكاري واستعنت بربي الذي هو يبدئ ويعيد، حينئذ تزاحمت الأفكار في مخيلتي، وتذكرت الماضي مع أختي (نورة) وأصبح واضحا أمامي. ولم يبق سوى التعبير والتحضير. ولكن سبحان الله وقبل أن أخط حرفا واحدا نزلت دموع حزينة، تناثرت هنا وهناك، فحاولت حبسها، فخنقتني العبرة وانفرط الزمام، وأخرجت الزفرات تلو الزفرات.
وعند هذا الحد توقفت عن التفكير، وتساءلت في قرارة نفسي؟ ماذا دهاني؟ ماذا أصابني، فقلت ما قاله رب العالمين (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون).
إلى هنا ظل قلمي ساكتا حائرا. ماذا يكتب؟ وعن من يكتب؟ وماذا يقول؟ وهل يطاوعني الخيال؟ وهل تسمح لي الدموع بالحديث؟ لست أدري. ولكن لابد مما ليس منه بد، أجل.. ها أنا ذا أخط حروفاً بمداد من سويداء قلبي، وأحبرها بدموعي، وأنسجها بمشاعري مرضاة لربي.
أختنا العزيزة «نورة» لقد شاهدنا وجهك الطلق يشع نورا وبهجة وضياء ولكن الكل مثقل بالحزن والألم، ولكن عزاءنا الوحيد أنك ذهبت إلى رب رحيم يغفر الذنب العظيم.
لقد عشتِ في بيوت متلاحمة متماسكة يتنافسون في خدمتك وطاعتك ورضاك، لقد رحلتِ عن الحياة، وتعلمنا منك دروساً عديدة لن تُنسى، تعلمنا بأن هذه الحياة زائلة فانية، وأن الآخرة هي دار القرار، لقد كنتِ كشمعة مضيئة لنا تتسمين بالهدوء والسكينة وطول البال والصبر والثبات وتحمل المشاق، نعم لقد فقدتِ حنان الأبوة، ولكنك لم تفقدي حنان الإخوة والأخوات والزوجات والأعمام والعمات والأحفاد، لقد تحملتِ من صروف الدهر وويلات الزمان ما لم يتحمله كثيرون، لقد حُرمتِ من لذة النوم وطيب العيش أياماً كثيرة وليالي طويلة، وكنتِ مؤمنة بقضاء الله وقدره، لقد عشتِ يتيمة الأبوين ولكنك لم تشعري بمرارة اليتم ولله الحمد والمنة، فلقد كنت تتنقلين من مكان إلى مكان وتضحكين وتبكين وتفرحين وتتألمين، وتسألين عن الصغير والكبير والقريب والبعيد، وتبكين لفراق المحبين، وتأنسين لحضور الزائرين، وترتبين وتنظمين وتبتسمين، لقد كنتِ في تعاملك معنا وأنتِ تنامين بالقرب منا تُدخلين السرور والبهجة لأنفسنا، وتنظمين أَسِرَّتنا وترتبين ملابسنا وحاجاتنا، والحديث عنك حديث ذو شجون، يعجز البيان عن وصفه، واللسان عن ذكره، وقد يطول ويطول. نسأل الله العظيم أن يجمعنا بكِ في جنات النعيم، وأن يلهمنا الصبر والثبات.
والحمد لله رب العالمين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥١) صفحة (٨) بتاريخ (١٩-٠٩-٢٠١٦)