المسرح يتكئ على ثلاثة أضلاع مهمة، المؤلف والمخرج والممثل، فضلا عن الجمهور باعتباره العنصر الأهم، فهو الحلقة المكملة لنجاح أي عمل مسرحي، إلى جانب مكونات المسرح المادية، وحين يُقدّم المؤلف نصا مغايرا، نصا يستحوذ على تلابيب العقل، ذلك يعني أنه أول مؤشر للنجاح، يأتي دور المخرج بصفته المسؤول الأول في تحريك عناصر العمل المسرحي، يأتي دوره في استثمار الموجودات البشرية والمادية من قاعة عرض خشبة المسرح، إضاءة، صوتيات ديكور، أزياء، مكياج وجميع احتياجات المسرح، ولن يتحقق النجاح بشكل متكامل إلا بوجود الممثل الموهوب، الممثل المثقف، الممثل الذي يحيل العمل إلى تأويلات فلسفية اجتماعية ثقافية سياسية، يجسد الوجع إلى حد البكاء، وكذا الفرح إلى حد البهجة، يجسد هموم وتطلعات وآمال وآلام الناس بجميع شرائحهم، حيث إن بعضهم يصف الممثل بالأداة التي يتعرف بها الجمهور على العرض الأدبي أو الاجتماعي المقدم له، ومن هنا نقف احتراما لمنظومة العمل ونرفع القبعة للمشتركين في صنع النجاح، ويمكن الاستدلال بهذا النجاح بما تقدمه بعض فرق الفنون المسرحية ومن بينها فرقة جمعية الثقافة والفنون بالطائف، ومن مميزات هذه الفرقة التكامل والتناغم، حيث يأتي الأستاذ فهد رده الحارثي كأحد الأركان المهمة من خلال تقديم النص المسرحي البعيد عن التهريج أو الثرثرة بل من خلال التركيز على ملامح الممثل وحركاته وإيماءاته مع تقليل الكلمات واختزال العبارات إلى أقصى حد كي لا يرهق أذن المشاهد، وتوسيع المعنى وتشظيه، وتكتمل منظومة النجاح بوجود المخرج المتألق أحمد الأحمري الذي يجمع عدة مواهب في آن واحد، الإخراج والتمثيل وحتى التأليف، في حين يزداد العقد الذهبي ألقاً بحضور الممثل البارع سامي الزهراني ورفاقه الجميلين الرائعين، وأذكر مشاهد مسرحية متميزة لهؤلاء النخبة في أعمال قدموها على مسرح جمعية الباحة أعقب ذلك العمل نقاش واع عن المسرح أسفر عن تفاعل إيجابي مهد لمنجز مسرحي في الباحة لم يستمر طويلاً، ربما لعدم توفر أضلاع النجاح الثلاثة الآنفة الذكر، انداحت هذه الذكرى حين تبرم بعضهم من سوء استثمار المسرح كما يجب، بحجج غير منطقية كأن يقول المسرح ملهاة للصغار ومضيعة للكبار، أو أنه لا يحقق نفعا للمجتمع أو أي عبارة تخدش بهاء وجمال المسرح، والأكثر غرابة الإهمال الذي يجده المسرح من القائمين في وزارة التعليم رغم وجود المسارح في معظم المدارس التي تعاني مع الأسف الشديد من التهميش، ولمّا كان المسرح وما زال بهذه القيمة الفكرية والثقافية والأدبية الباذخة متى وُظّف بالشكل المطلوب، ولعلنا نفرق بين المسرح ذي الهدف التجاري الذي يحاول الاستحواذ على أكبر عدد لتغطية مقاعد المشاهدين بهدف الكسب المالي، وبين المسرح الذي يختزل مواقف الحياة الاجتماعية بأي أسلوب (سيريالي أو تعبيري أو واقعي أو كلاسيكي أو ملحمي أو عقلاني أو رمزي) ويضع فريق العمل المشكلات على طاولة الفكر ليدفع المشاهد لأن يكون شريكا فعليا، بهدف إنماء فكره وإعمال عقله وإشباع رغباته، ومثلما وزارة التعليم معنية بالمسرح بتكثيف الاهتمام به وعدم تركه فراغا داخل المدارس والجامعات، أيضا على وزارة الثقافة والإعلام مسؤولية كبيرة حيال المسرح الذي لم يجد الدعم المطلوب بدلالة ظهور بعض الأعمال الضعيفة بسبب غمط حقوق المسرح، وعدم إعطائه الاهتمام، ويمكن طرح استبانة عن مدى رضا الوسط الاجتماعي بما تقدمه الوزارة من دعم مادي ومعنوي لهواة المسرح في كافة فروع جمعيات الثقافة والفنون بالمملكة. عندها يمكن كشف الحقائق ووضع الحلول المناسبة. وإيلاء المسرح الاهتمام الذي يستحقه.
ياليت واحدة من جامعاتنا تبادر بفتح قسم خاص بالمسرح ويُسند إلى عدد من المختصين القادرين على إثراء هذا الفن الراقي، لكون المسرح أحد أهم الروافد الثقافية والتعليمية والترفيهية المهمة والضرورية التي تنمي ثقافة المجتمع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥١) صفحة (٨) بتاريخ (١٩-٠٩-٢٠١٦)