لا أحد يملك السيطرة على بعض القوانين الكونية ومجريات الحياة التي تجمع الناس وتفرقهم وفقاً لصروف الزمن، ومجريات الأحداث، فالقريب اليوم يمكن أن يغيب في الغد، والبعيد في الأمس يمكن أن يصل من مطار الغياب فجأة، فلا أحد يستطيع أن يخرج من دائرة الوداع الاختياري أو الإجباري، فهذه سُنَّة كونية لا نملك حيالها سوى الرضا والصبر. وللغياب فلسفته الخاصة ومبرراته في حين نعيش حالة استرجاع أجمل فصول الحكاية التي يمكن أن تلمحها عندما تقف مشدوهاً أمام لحظة لقاء هذه اللهفة التي يمكن أن تقرأها في عيون الغائبين وهم يلقون حقائبهم، ويركضون بلهفة إلى هذه اللحظة التي تفر فيها الدموع من المآقي التي حفظتها بعض اللقطات العابرة لمشاعر شخصية، أو ما بثته وسائل الإعلام لأشخاص خرجوا من عالم النسيان ليضعوا أسماءهم وبصماتهم في سجلات الحضور من جديد بينما طوت هذه الصفحات أشخاصاً آخرين، هكذا يمكن أن تلمح هذه الوجوه وأنت تقلب في الصفحات، وتحصي العائدين والغائبين والمنسيين الذين غادروا كراسات الحياة إلى عوالم أخرى.
«ما أقسى الوداع» عندما يدق بهدوء في مفاصل الحنين، فيأتي صامتاً مختصراً كل معاني الوجع، وما أعنده عندما يصر على تطبيق أحكامه القطعية، ومَنْ منا حالفه الحظ يكون بعيداً عنه!!
إننا جميعاً نعيشه بصوره المتعددة فلا أحد يستعصي على الغياب، فهو الطرف القاسي في كل الحكايات، وهو النموذج المكرر للمواعيد المسافرة، ولعلني تذكرت كل ذلك، وأنا أشاهد مقطعاً لأسرة سورية في حالة احتضان بعد أن لمَّت شمل أبنائها في أحد مطارات العالم، كانت الدموع هي التي تتحدث عن تعب الحال وعن مواجع المهجرين من أبناء عالمنا العربي ممكن خسروا أسرهم وأوطانهم ولحظات هدوء الحياة والأمان.
فجال في خاطري حال كثيرين ينتظرون لحظة لقاءٍ ممَّن تسببت الظروف السياسية والحروب في تفريقهم، ومَنْ عاصروا النكبات العربية، وحرموا لسنوات من هذه اللحظة، أو من كانت الأقدار قاسية عليهم لتجعلهم يقيمون في هذه المحطة لا تؤويهم مطالع القصائد، ولكن تشيِّعهم إلى جنائز الصمت، فلا مواعيد أخرى يمكنهم أن يذهبوا إليها، ولا عناوين يمكن أن يقتبسوا منها بهجة لقائهم بعد أن تستنزفهم أسئلة التنهيدات وهم يختمون ذاكرتهم بالشمع الأحمر حتى لا تفترسهم الأوجاع، ففي مدن القلوب مساكن كثيرة لعناوين الرحيل الذي سجل درساً جديداً في دروس القانون الذي لا يمكن أن يتجاوزه أحد لنظل محكومين بمفاجأته ملوِّحين بمناديل الوداع غائبين خلف مواعيد الغياب التي لا تخبر أحداً عن أسبابها ومبرراتها، فلا أحد يمكن أن يكون فوق قانون الوداع الذي يبسط سلطته أينما حل ليشمل الإنسان والأوطان والمواعيد والعناوين والمحطات.
وما علينا سوى أن نجلس بعيداً وفي أكثر الأمكنة هدوءاً.. لنتذكر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٣-٠٩-٢٠١٦)