منذ تلك اللحظة ومرحلة التوحيد بدأت، واستمرت ٣٢ عاماً قاسى فيها الملك عبدالعزيز ورجاله المخلصون أشد الصعاب، خاصة فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية

يحتفل الوطن اليوم باليوم الوطني السادس والثمانين، وعندما نتحدث عن اليوم الوطني يأتي في ذاكرتنا مؤسس هذه البلاد المباركة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، حيث هو بطل الملحمة التاريخية الكبرى التي انطلقت من قلب مدينة الكويت عام 1319هجرية، وكان عمر المؤسس سبعة وعشرين عاماً قضى منها عشر سنوات في الكويت برفقة والده، وكانت الرحلة من الكويت إلى الرياض محفوفة بالمخاطر الكثيرة، وكان يمشي ومن معه في الليل ويكمنون في النهار حتى لا يشعر بهم أحد، ونجحت الرحلة في الوصول إلى الهدف وتنفيذه بنجاح، بأن دخل مدينة الرياض وسيطر عليها تماماً، منذ تلك اللحظة ومرحلة التوحيد بدأت، واستمرت 32 عاماً قاسى فيها الملك عبدالعزيز ورجاله المخلصون أشد الصعاب، خاصة فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية.
وكانت شخصية الملك عبدالعزيز الفكرية قد تشكَّلت في عدة عوامل، أهمها:
– التدين على بصيرة، وهذا الأمر أسهم كثيراً في تكوين شخصيته أثناء مرحلة التأسيس. لأنه كان يعي أن مجتمع الجزيرة العربية لن يجتمع على رابطة إلا رابطة الدين الذي يمثل بديلاً مقبولاً للقبائل والمناطق.
– تميز الملك عبدالعزيز عن بقية الزعامات القبلية أو حكام الأقاليم بكونه صاحب مشروع ورسالة، فكان يدرك جيداً أن الدولة هي الهدف النهائي لمشروعه.
– فهمه المتقدم -رحمه الله- للمحددات الدينية والاجتماعية والثقافية لبناء هوية الدولة، لذلك كان يدرك أن حكم الشريعة هو المرجعية الوحيدة للدولة. كذلك تميز الملك عبدالعزيز بالانفتاح الفكري على الحضارة والتقدم، فمن ذلك: أنه عمد إلى استقطاب عشرات المفكرين، والمثقفين، والساسة، والعلماء، إلى جواره، فوفد إليه من خارج الوطن عديد من المفكرين والساسة، فقرَّبهم منه، واستأنس بآرائهم واستشاراتهم، وتمكَّن من احتوائهم بفكره وفطنته والتأثير عليهم وتوجيههم إلى ما يصبو إليه من طموحات وتطلعات، فكانوا نعم العون له.
– الناظر لتاريخ الملك عبدالعزيز يدرك تمام الإدراك أن مشروعه التأسيسي للدولة لم يأتِ بسهولة، فالملك عبدالعزيز حاول تجنُّب القتال في كثير من الوقائع الحربية قدر الإمكان، فكان يحاول ضم القرى والمدن إن استطاع دون قتال، ومحاولته هذه نابعة من فكر ثاقب، وخبرة محنكة، لأنه يريد الابتعاد عن إيجاد عداوات مع الزعامات السياسية آنذاك، وبالفعل نجح في أغلب وقائعه.
– وكان الملك عبدالعزيز يدرك أن مشروعه الوحدوي والتأسيسي لن ينجح إلا بترسيخ الوطنية بين أبناء شعبه، فبعد الانتهاء من مرحلة التوحيد وبداية مرحلة التأسيس بدأ يرسخ مبدأ الوطنية بين أبناء شعبه حسب تنوعهم ومختلف ميولهم، ولم يكن هذا الأمر بالشيء السهل «لا» إنما كان في غاية التعقيد والصعوبة، واستغرق ذلك سنوات طويلة حتى جعل مجتمعه يتجه إلى الوطنية ويحتمي بها، فكانت البداية عبر الخطب التي كان يلقيها الملك عبدالعزيز في المناسبات الدينية أو الاجتماعية، فكان يحاول ترسيخ الوطنية في مجتمعه، وكان هذا الأمر جديداً عليهم.
– والناظر للمشهد السياسي في عهد الملك عبدالعزيز منذ بداية التوحيد وحتى فترة التأسيس، يوقن بأن علامات الفشل ربما تكون كثيرة ومتوقعة، خاصة فيما يتعلق بالتنوع القبلي والمذهبي، والحالة التي كانت تعيشها أغلب مناطق الجزيرة من تشرذم وقتال وحروب ومنازعات على الماء والكلأ، إلا أن الله مكَّنه وساعده في تحقيق هدفه، وتمكَّن من تأسيس دولة مترامية الأطراف تضم مجتمعاً ذا هوية واحدة وولاء واحد.
– ولذلك؛ ما أجمل يومنا الوطني ونحن نتسامح ونتعايش مع بعضنا بعضاً إخوة متحابين، ولْنترك خلافاتنا الفكرية والمذهبية فيما بيننا، فلا تكون تلك الخلافات مُعيقة لنا في تقدمنا وتطورنا، ولْنكن يداً واحدة نحمي بلادنا ونذود عنها ونفديها بكل غالٍ ونفيس.
– ختاماً؛ نسأل الله العلي القدير أن يحمي بلادنا من الأشرار، وأن تكون أعيادنا أعياد عز وفخر ومحبة بيننا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٣-٠٩-٢٠١٦)