د. عبدالله سعيد الأسمري

د. عبدالله سعيد الأسمري

في هذه المناسبة الوطنية العظيمة من تاريخ مملكتنا المجيد يعيش حب الوطن في قلب كل مواطن ومواطنة بل وكل مقيم على ثراه الطاهر وكل مسلم يتجه إلى مقدساته في كل صلواته، يعيش حب هذا الوطن، مهبط الوحي، وحاضن الحرمين الشريفين، هنا أطهر بقاع الكون. وفي يوم من أيام هذا الوطن أراد الله لهذا البلد أن يستعيد أمجاده وتاريخه وأصالته الإسلامية فقيض الله له قائداً عربيّاً مسلماً إنه الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي جمع الله به الكلمة ووحد به الصف، بعد أن تفشى الجهل والتناحر والانقسامات فأرسى دعائم الوحدة الوطنية وبنى المكان وارتقى بكل قدرات الإنسان وإمكاناته، حتى كانت المملكة في عهده محط أنظار العالم أجمع بما أفاء الله عليها من نعمة الأمن والاستقرار بفضل الله أولاً ثم بما قامت عليه من أسس ربانية تحكِّم شرع الله كما أراد الله. ولقد توفرت للملك عبدالعزيز الصفات القيادية العظيمة التي مكنته من حمل مسؤولية تأسيس دولة حديثة كانت المنطقة في أمسِّ الحاجة إليها، فقد عرف عن الملك عبدالعزيز تمسكه بالعقيدة ودفاعه عنها وإيمانه الشديد بربه عز وجل وتطبيق شرع الله في جميع جوانب الحياة. ومن صفاته بره بوالده وأسرته ومحبته للخير والعلم وشجاعته وفروسيته وكرمه العظيم، وهذا امتداد لتاريخ الدولة السعودية الأولى والثانية التي توضح لنا تاريخاً عريقاً وماضياً يتمثل في عراقة الأسرة الحاكمة وقدم تاريخها.
في يوم الوطن نتذكر جهود الملك المؤسس -رحمه الله- ورجاله الأوفياء ووطننا وهو يتجه بقيادة مليكه إلى حياة الاستقرار ووحدة الصف والكلمة، وفي السابع عشر من شهر جمادى الأولى عام 1351هـ الموافق التاسع عشر من شهر سبتمبر عام 1932م صدر أمر ملكي للإعلان عن توحيد البلاد وتسميتها باسم «المملكة العربية السعودية»، اعتباراً من الخميس 21 جمادى الأولى عام 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932م «الأول من الميزان».
وتَوّج هذا الإعلان جهود الملك عبدالعزيز العظيمة الرامية إلى توحيد البلاد وتأسيس دولة راسخة تقوم على تطبيق أحكام القرآن والسنة النبوية الشريفة، وتم تحديد يوم الأول من الميزان الموافق للثالث والعشرين من شهر سبتمبر ليصبح اليوم الوطني للمملكة، وبهذا الإعلان تم تأسيس المملكة العربية السعودية التي أصبحت دولة عظيمة في رسالتها وإنجازاتها ومكانتها الإقليمية والدولية. لهذا في كل يوم وكل لحظة جدير بنا أن نفاخر بالوطن وأن يحيا في قلوبنا وعقولنا وهذا أمر فطري في كل نفس؛ فمن يحب نفسه يحب وطنه لأن الوطن حياة لنا بجميع الأبعاد «مَنْ أَصْبَحَ مُعَافَى فِى بَدَنِهِ آمِنًا فِى سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، ولهذا فكل مواطن صالح يحب وطنه فكيف إذا كان مسلماً يقتدي بأشرف الخلق حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم لوطنه، فالمواطن الصالح يتمنى الخير لموطنه، ويبغض كل ما يسيء إلى وطنه، بل لا يلام من يرى وطنه أنه أجمل وأفضل بقاع الأرض.
كما أن غرس الانتماء للوطن وحبه والتفاني في خدمته والاعتزاز بتاريخه العظيم وسيرة قادتنا الملوك الأوفياء واجب على كل الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات وكل مياديننا التعليمية على امتداد العام الجامعي والدراسي وأن تُوظَّف المواقف التعليمية في تحقيق هذا الهدف السامي ليستمر حب الوطن في الناشئة جيلاً بعد جيل، ويترجم ذلك عملاً وسلوكاً في جميع مناحي الحياة، خدمةً لهذا الكيان العظيم المملكة العربية السعودية، فكما حرص الآباء منذ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله- على نهضة هذا الكيان في جميع المجالات وكذلك من بعده في عهد الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله -رحمهم الله- حتى عصرنا الحاضر في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز رعاه الله، يجب أن تتضافر الجهود في كل ما يخدم وطننا في جميع المجالات، وأن نحافظ على كل مكتسباتنا التي هيّأتها الدولة -رعاها الله- للمواطن في سائر أنحاء البلاد شرقها وشمالها وجنوبها وغربها ووسطها، خدمة للمواطن والمقيم والحاج والمعتمر. لن أكون مخطئاً إن قلت إن علينا نحن أبناء المملكة العربية السعودية مسؤولية غير أي مسلم، فنحن أبناء قبلة المسلمين ودولة الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فيجب أن نكون قدوة في الحفاظ على أمن بلادنا في انسجام تام مع ولاة أمورنا -رعاهم الله- وعلمائنا الأجلاء حتى نصل إلى تطلعاتهم حتى نحافظ على ما تم من إنجازات محليّاً وعلى مستوى العالم ويصبح وطننا في المقدمة عالميّاً، وهذا يجعلنا نعي دورنا في التماهي والفهم لما يحققه الوطن من خطوات النجاح في كل ميدان سواء في خدمة الحرمين أو ما تقدمه الدولة من العون الإغاثي إسلاميّاً وإنسانيّاً على مستوى العالم، وهو الذي شهد به القاصي والداني، ودورنا في مثل هذا اليوم الوطني العظيم يتمثل أيضاً في أداء الواجب، كلٌّ في موقعه، بداية من الأسرة ثم الحي إلى المجتمع بأسره في أداء ما يؤمله الوطن من كل مواطن ومواطنة، وما التحول الوطني الذي نعيش بداياته إلا امتداد لمنجزات بلادنا الحبيبة في إرساء دعائم النهضة في كل المجالات وتطويرها؛ آخذة في صلب أهدافها أن المواطن هو محور التنمية وأس البناء، وهنا يأتي دورنا في أن نقدم لوطننا الحب والانتماء في سبيل النهضة والتطور والإنجاز والإنماء الذي بناه الأجداد والآباء ونحافظ على هذا المجد للأجيال المقبلة. في يوم الوطن الخالد العظيم دعواتي بالمغفرة لمن رحل من قادة هذه البلاد ورجال الوطن، وأن ينصر الله قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمين وولي ولي العهد، رعاهم الله.وكل عام وأنت بخير وعز ونصر وسؤدد يا وطني.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥٨) صفحة (٨) بتاريخ (٢٦-٠٩-٢٠١٦)