سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

بمناسبة ذكرى اليوم الوطني التي لا تزال تشيع روح المواطنة والانتماء والفخر في الأرجاء، قررت أن أحدثكم عن إحدى مشكلاتنا الاجتماعية الاقتصادية الكبرى التي نلعب جميعاً دوراً كبيراً في استمراريتها وازدهارها كما ندفع في ذات الوقت ثمنها. مشكلتنا هذه ليست المناطقية ولا الطائفية ولا القبلية بل مشكلة أخرى يمارسها كل أطياف المجتمع كلٌّ بحسب موقعه. أيها السيدات والسادة يؤسفني أن أصارحكم بأننا شعب فاقد الثقة في نفسه بل وفي بعض الحالات المتطرفة قد يكون كارهاً لنفسه، وهذا الأمر بكل تأكيد طعنة كبيرة لمواطنتنا. قد يبدو لكم هذا التصريح غريباً بعض الشيء، لكن نظرة تحليلية واحدة لسلوكاتنا ستؤكد لكم دعواي.
على سبيل المثال: المواطن السعودي يتجنب ويكره لقاء أبناء وطنه خارج حدود الوطن ويفضل قضاء وقته بالكامل مع أبناء الجنسيات الأخرى، فأي سعودي آخر في نظره هو عين رقيب وحسيب للمجتمع المثقل بالقيود والخصوصية الذي يسافر أصلاً ليهرب منه. كمثال آخر، نجد المواطنين السعوديين بجنسيهما مهووسين تماماً بالتندُّر واستنقاص الجنس الآخر حيث تستغل كل السلوكات والصفات الجسدية والأزياء القومية في تلك المهازل التي رغم أنها أتت على سبيل المزاح لا غير فإنها تزرع روح النفور وتؤسس لأرضية خصبة للمشكلات الأسرية مستقبلاً، بل قد يتم الاستشهاد بتلك النكت لتغذية بعض الصراعات الزوجية. المثال الأخير والأخطر والأكثر فتكاً بمجتمعنا اقتصاديّاً خصوصاً في ظل الأزمة التي تمر بها البلاد هو الميل الشديد للاستعانة بالعمالة الأجنبية وعدم الثقة في أبناء الوطن.
«الأخ سعودي؟» قد تكون إجابتك على هذا السؤال بنعم هي سبب لقطع رزقك. أليست تلك مصيبة عظمى؟ أن تكون في آخر قائمة التوظيف في وطنك! رغم كل مساعي السعودة التي تحرص قوانين الدولة على إرسائها، إلا أننا لا نزال نقاوم. نبحث عن الثغرات والحيل كي نتهرب من تلك القوانين. وليس المعني بهذا الأمر هم أصحاب الشركات أو المشاريع الكبرى فقط بل كل المواطنين. تحدث لأحد سائقي سيارات الأجرة لتسمع العجب، كيف نفضل الأجنبي الذي لا يعرف الشوارع ولا حتى يجيد القيادة على ابن البلد أو ليس أهل مكة أدرى بشعابها! اسأل أحد السباكين أو فنيي الصيانة والكهرباء عن المشكلات التي تواجههم مع الأهالي قبل أن يسمح لهم بدخول المنازل. كأن العين السعودية وحدها من ترى عورات البيوت بينما تعمى عنها كل عين أخرى. اسأل خبيرات التجميل أو مربيات الأطفال أو حتى المدرسات عن الأحكام المسبقة التي تصدر بشأنهن، إن لم تتحدثي الإنجليزية بطلاقة وبلكنة بريطانية أو أمريكية متقنة فأنتِ خيار مشكوك في أمره!
من الواضح أننا لا نزال نعاني من آثار الصدمة الثقافية التي خلفها زمن الطفرة حيث انتقلنا من كوننا مجتمعاً طبيعيّاً يخدم نفسه بنفسه من الألف إلى الياء إلى مجتمع مدلل جداً لا يمكن أن تجيد خدمته إلا العمالة الأجنبية. نحن نغفل تماماً عن حقيقتين جوهريتين من شأنهما أن تعيدا حساباتنا، الأولى أن لدينا كفاءات رائعة ومبدعة لن تثبت قدراتها أو تتطور وتتقدم وتتغلب على نواقصها ما لم تمنح الفرصة، والثانية أن الوضع الاقتصادي يحتم علينا أن نتكاتف ويسند بعضنا بعضاً حتى ننعم جميعاً بالحياة الكريمة. أرجوك، لا ترفرف بعلم أخضر ولا تتراقص على ألحان نشيدنا الوطني إن كنت لا تزال مصرّاً أن تدعم اقتصاد دول أخرى!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٥٩) صفحة (٨) بتاريخ (٢٧-٠٩-٢٠١٦)