راجح ناصر البيشي

راجح ناصر البيشي

بينما كنت جالساً أنتظر دوري في المطار، جلس بجواري رجل كبير في السن أراد قطع الوقت بالحديث فبادرني بالسلام بصوت جهوري، نظرت إليه ورددت عليه التحية بصوت هادئ، فوجدت منه ابتسامة يقف خلفها كلام يريد قوله، وما لبث حتى قال: الله يحفظ شبابنا وشباب المسلمين ويهدي ضال الناس في هذه الحياة! ثم أردف ممكن نسولف حتى يجي دورنا؟ قلت تفضل يا والدي، قال: كنت أنظر لشبابنا وأنا أرى ملابسهم وقصات شعورهم وتصرفاتهم فأزدريهم وأتضايق منهم ولا يعجبني الحديث أو الجلوس معهم، لكن يا ولدي شاهدت موقفا جعلني أحمد الله أن شبابنا مهما بلغوا من التصرفات الطائشة والمزعجة وغير المرغوب فيها، إلا أن فيهم بذرة خير بإذن الله تعالى، يقول الرجل: توقفت عند حادث سير كان فيه مجموعة من الجنسية الآسيوية غير المسلمة، وقد كان الحادث عنيفا وكان فيه إصابات خطيرة جداً، وإذا بالناس قد تجمهروا دون استطاعتهم عمل شيء لشناعة الحادث، المهم مع محاولة الحضور تقديم المساعدة للمصابين توقفت سيارة على قولتهم «شبابية»، تحمل ثلاثة من الشباب بأشكال لا تقل عن الوصف الذي ذكرته عنهم سابقاً من قصَات وملابس وحركات شباب اليوم -الله يهديهم ويحفظهم-، المهم تقدم هؤلاء الشباب الثلاثة بخطى واثقة ثابتة وطلبوا من الجميع عدم لمس المصابين أو تحريكهم خشية تعرضهم لكسور مضاعفة، ثم قاموا بتقديم المساعدة الإسعافية العاجلة لهم، من خلال وضع المصابين وتمديدهم بالشكل الصحيح وربطوا على بعضهم ببعض الربطات «غتر وأقمشة من بعض الحاضرين لوقف النزيف» وأجروا لهم التنفس الصناعي وبعض الأمور الإسعافية الأخرى، وكان أحدهم فيما يبدو متمرّساً، غير أن زملاءه كانوا يقومون بمساعدته وكأنهم فريق إسعافي متخصص. أكثر الحضور انبهاراً وإعجاباً وبكاءً هم زملاء المصابين من نفس الجنسية والديانة وهم يشاهدون صنيع هؤلاء الشباب المباركين، وكان هؤلاء العمال يتمتمون ويتضرعون بألسنتهم وأيديهم، ففهمنا أنهم يدعون حسب دينهم لزملائهم بالشفاء، وقد يكون نال شيء من دعواتهم هؤلاء الشباب المسعفين، أثناء ذلك وصل الهلال الأحمر وقاموا بواجبهم وقد أثنوا على هؤلاء الشباب وأشادوا بتصرفهم السليم، وأنهم بالفعل كانوا سببا في إنقاذ حياة بعض المصابين لا سيما الخطيرة منها. يقول الرجل: من مشاهدات الحادث ومواقفه المؤثرة وفاة أحد المصابين أثناء إسعاف الشباب له وقد لقنوه الشهادتين فنطقها بصعوبة قبل وفاته، وعندما سألنا زملاءه هل هو مسلم فأفادوا بالنفي! بعد أن تم نقل المصابين بالإسعاف وكانت حالة بعضهم حرجة، تجمع بقية زملائهم عند الشباب الثلاثة وقاموا بشكرهم على مساعدتهم وإنقاذهم حياة البقية، فما كان من الشباب الثلاثة إلا أن أخذوا العمال بالأحضان يواسونهم في فقدان زميلهم وإصابة البقية بإصابات بالغة وخطيرة، وحينها كانت المفاجأة الكبرى أن أسلم بعض هؤلاء العمال أمام الحاضرين على أيدي هؤلاء الشباب الموفقين، يقول الرجل فبكيت فرحاً وإعجاباً بهؤلاء الشباب الأبطال وسلمت عليهم وأقسمت أن أقبل رؤوسهم واحدا واحدا، يقول الرجل: انتهى المشهد وغادرت المكان وقد تغيرت فكرتي عن بعض شبابنا -وفقهم الله وأصلحهم-. انتهى.
لا أخفي عليكم أحبابي أن هذه القصة قد أثرت في كثيراً وبلغت في نفسي ما بلغت من الأثر، وجعلتني أقول الحمد لله وأنا على يقين بأن شبابنا فيهم خير، وأن من يولد على هذه الأرض الطيبة ويتربى فيها سيكون طيباً مباركاً بإذن الله حتى وإن عصفت به ما تسمى «المراهقة»، أو زلت به القدم، إلا أنه في النهاية سيعود إلى الجادة والفطرة السليمة وسط مجتمع تربى على الدين والخلق والتسامح والمحبة، وعلى حي على الصلاة – حي على الفلاح التي تصدح بها المآذن ليل نهار في كل مكان، فتتربى على صداها النفوس وتطهر القلوب. وتنعم بلادنا بفضل الله ثم بفضل رجالها المخلصين ونسائها الطاهرات على كل ما هو جميل طاهر ناصع البياض، خالياً من التطرّف والتصرف المنافي لديننا دين السلام والإسلام والمحبة والوئام، داعياً الله أن يهدي ضال شبابنا خاصة وشباب المسلمين عامة، وأن يحفظ وطننا ومليكنا وحكومتنا وجميع أوطان المسلمين، وأن يرد كيد الكائدين والخائنين في نحورهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٠) صفحة (٨) بتاريخ (٢٨-٠٩-٢٠١٦)