أحمد محمد أبو الخير

أحمد محمد أبو الخير

كنا في حديث شائق قبل أيام مع زملاء أعزاء عن أمير القيم ومهندس الأمن وقاهر الإرهاب صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، ودوره الإنساني العظيم في رعاية الفئة البرماوية بالمملكة، بحكم المسؤوليات الكبيرة التي كان يضطلع بها منذ أن عُين نائباً لوزير الداخلية عام 1390هـ ثم توليه حقيبة وزارة الداخلية عام 1395هـ، ثم تعيينه عام 1430هـ نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء إضافة إلى مهامه وزيراً للداخلية، وحتى تعيينه بالأمر الملكي وليّاً للعهد بعد وفاة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز – رحمه الله – عام 1432هـ ؛ إذْ ظل خلالها يناضل لإرساء دعائم الأمن واستمرار مسيرة الأمان في أطهر بقعة على وجه البسيطة دون كلل أو ملل، وحتى آخر لحظة من حياته، رغم التحديات والخطوب ومهماته الصعبة ومسؤولياته الجسام.
ونحسبه – بإذن الله – ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهو من وصى وقال: «أقولها بكل وضوح وصراحة: نحن مستهدفون في عقيدتنا، نحن مستهدفون في وطننا، أقولها بكل وضوح وصراحة لعلمائنا الأجلاء، وطلبة علمنا، ودعاتنا، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وخطباء مساجدنا؛ دافعوا عن دينكم قبل كل شيء، دافعوا عن وطنكم، دافعوا عن أبنائكم، ودافعوا عن الأجيال المقبلة، يجب أن نرى عملاً إيجابيّاً، ونستعمل كل وسائل العصر الحديثة لخدمة الإسلام، ونقول الحق ولا تأخذنا في الحق لومة لائم، لنستعمل القنوات التليفزيونية، ونستعمل الإنترنت، وأنتم كل مرة تقرأون ما فيه، وتعلمون ما فيه، وأرجو من الله – عز وجل – لكم السداد والتوفيق».
وكيف للبيان أو البنان أن يوفِّيا حق إنسان له كل هذه المآثر الإنسانية والقيادية المتعلقة بأمن الأوطان وحماية الضرورات ورعاية الحجيج ومكافحة شرور الإرهاب ونشر السنة الشريفة وغير ذلك الشيء الكثير في سبيل خدمة دينه وبلاده؟! وقد تحدث عن ذلك في حديث مؤثر قبيل رحيله: «خدمتُ هذا الوطن – بلدي- في عهد الملك عبدالعزيز، والملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد، والملك فهد -رحمهم الله جميعاً- والآن الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أسأل ربنا له التوفيق والسداد».
وحيث ينساب شلال الذكريات الجميلة عن سموه في نفسي؛ أكتفي هنا بما كنا نتجاذب الحديث حوله، وما له من أيادٍ بيضاء كريمة على البرماويين المقيمين في المملكة خلال أكثر من أربعة عقود من المسيرة المباركة، ظل خلالها يبذل جاهه وقراره بسلوك إداري إنساني عالي الحرفية في سبيل تسهيل أمورهم النظامية والتعليمية، رغم العوائق المتعددة التي تتمثل في عدم وجود ممثلية لهم في المملكة تُعنى بشؤونهم أو يمكن التفاوض معها لشؤونهم، وفي ظل عدم امتلاكهم وثائق المواطنة والسفر من أي دولة، ما يمكن أن يُستند عليه في تسوية أوضاعهم النظامية؛ فكان – رحمه الله- ينظر دائماً بعين العطف والرحمة عند تبني أي قرار بشأنهم، وكثيراً ما يستثنيهم من الأنظمة السائدة والتعليمات العامة بما يجبر ظروفهم.
وكلنا يذكر موقف سموه التاريخي أثناء زيارته إدارة التعليم في منطقة مكة المكرمة عام 1413هـ حيث سارع بالموافقة الشفهية الفورية على استمرار عشرات من المدارس الخيرية التي كانت تحتضن حوالي 23.000 طالب وطالبة من أبناء البرماويين في أحياء مكة المكرمة، ممن لا يحملون وثائق نظامية كافية آنذاك؛ وذلك حين عرض عليه بشأنها سعادة مدير عام التعليم في مكة المكرمة آنذاك وعضو مجلس الشورى فيما بعدُ الأستاذ سليمان بن عواض الزايدي، وفقه الله.
ثم وجّه رسميّاً بالخطاب رقم 12268 وتاريخ 15/12/1413هـ باستمرار هذه المدارس وتحسين وضعها، لتستمر بشموخ في أداء رسالتها التعليمية لعشرات الألوف من الأبناء لعقود من الزمان، حتى تم تنظيمها عام 1435هـ بقرار صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، حفظه الله، حيث وجه بضمها إلى منظومة المدارس الحكومية التي ترعاها الدولة الرشيدة.
وخلال فترة توليه وزارة الداخلية حظي مئات البرماويين بشرف الحصول على الجنسية العربية السعودية، كما شَرُف كثيرون منهم بالانخراط في السلك العسكري في قطاعات قوى الأمن الداخلي لخدمة بلد كريمٍ بذل لأجلهم الغالي والنفيس.
كما كان أكبر نصير ومعين بعد الله في تصحيح أوضاع البرماوية لعدة مرات، خلال عامي 1404هـ و1417هـ، وما بعدهما، وأسهم بقوة في تأييد المعاملة المرفوعة من لدن سمو أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل عام 1429هـ، إلى أن تُوج بالأمر الملكي الكريم عام 1433هـ لتصحيح تاريخي شامل لأوضاع البرماويين.
وفي مؤتمر صحفي أقيم في 1426/9/13هـ أوصى بالبرماويين خيراً، وقال: إنهم ليسوا بدون؛ بل هم مواطنون مسلمون من دولة، ولم يسمح لهم بالعودة إلى بلدهم، وعلى رجال الأعمال والشركات توظيفهم والعناية بهم.
وظل يؤيد ويدفع بملفات البرماويين نحو المقدمة لتنال حظها من عطف ولي الأمر، ويوصي بهم خيراً حتى لقي ربه في 26 رجب 1433هـ، وحينها بكت الأمة أحد خِيرة رجالاتها المخلصين، وعمت البلادَ الأحزانُ لعظم الفقد وجلل المصاب، وكان حسن العزاء في خلفه وثمرة فؤاده الأمير محمد بن نايف، حفظه الله.
ولئن غابت شمسكم عن سماء دنيانا، ففي ذواكرنا آلاف الحكايا، ومن لاح له كمال أخراه هان عليه فراق دنياه، أمطر الله على مرقدكم سحائب جوده، وفيوض كرمه، وغيوث فضله، وجزاكم عنا خير الجزاء، ورزق الأجيال بركم والوفاء بكم بحسن الوصال وصدق الدعاء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٢) صفحة (٨) بتاريخ (٣٠-٠٩-٢٠١٦)