عايض القحطاني

عايض القحطاني

أنتم فخر الأجيال فلولا المعلم ما كان الطبيب والقاضي والمهندس والعسكري وكل وظيفة وموهوب في عالمنا اليوم.
هناك صاحبا معروف في غاية العظمة: من سقاك شربة ماء تروي ظمأك ليحيا بها جسدك وهي أفضل الصدقة، والثاني من أسدى لك علماً ومعرفة تضيء طريقك فتحيا بها روحك وعقلك وتشق بها طريقك، وعليه يصلي الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
حين يتعلم الطفل من معلمه سورة الفاتحة ويصلي بها 5 صلوات بواقع 17 مرة في اليوم فكم للمعلم من الأجر العظيم ينتظره حين يشيب ذاك الطفل وقد قرأ سورة الفاتحة على مدى 70 عاماً أكثر من 370 ألف مرة، رؤي أحد السلف في المنام بعد موته فقيل له ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بتعليمي الصبيان فاتحة الكتاب.
أنتم فخر الأجيال وأساس الحضارة، معكم كانت البداية والانطلاقة حيث كنا لا شيء، فبين أيديكم وعلى أيديكم تعلمنا أن نقرأ ونكتب، تعلمنا أمور ديننا ودنيانا، الحساب والتقنية وكل علم وفن، ولم يتوقف عطاؤكم بل تعدى تلك العلوم فصقلتم مواهبنا ونمت بين الأنشطة اللامنهجية كالإذاعة والمسرح والرياضة والنشاط الطلابي والكشافة والمسابقات التعليمية والثقافية والزيارات الميدانية.
كنا نتزاحم في الجامعة لنحضر محاضرة دراسية عن الفيزياء والإلكترونيات مع دكتور شرحه في غاية الروعة فيتصبب عرقاً ويقول: التدريس «مهنة شاقة»، وآخر يشرح لنا درساً بعد الاختبار النهائي لم يشرحه في حينه لضيق الوقت فيقف يودعنا وعينه تذرف الدموع ويقول أنتم شباب الأمة وعمادها..، فكم في شرحه الدرس لاحقاً وكلماته من رسالة وأثر على نفوسنا.
كم في دنيانا اليوم من موهوب ومبدع كانت بدايته كلمة وقرت في قلبه من معلم مخلص، كم من علم وفن أحببناه ولولا ذاك المعلم الملهم لما كان ذاك الحب، كم من طموح وأمنية غرسها معلم نبيه في نفوس طلابه، كم من طالب قد ضل الطريق فأشفق عليه معلمه فنفض عنه غبار الضياع وهداه إلى بر الأمان، كم من طالب جمع إحباط المدرسة في نفسه فلمحه معلمه وأخذ على يده فقام منه وقد أشرقت الشمس في نفسه من جديد، كم من طالب متعثر شارد الذهن نتيجة ضغوط عائلية فيجد معلمه أمامه قد لملم فكره وجمع له شتاته، كم من طالب متعفف انزوى عن زملائه يكتم حاجاته في صدره، يستحي من ملبسه أو أدواته أو يكون عليه وقت الفسحة أشبه بالنقمة لقلة ذات اليد فيشاهده معلمه فينكسر له قلبه فيتبعه بعد الدوام ليتعرف على منزله طمعاً في مساعدته، وفي اليوم التالي إذا بالطالب قد قضيت حاجاته لا يفرق عن زملائه في شيء، كل ذلك جراء يد بيضاء طرقت بابه في جنح الظلام لا يراها إلا خالقها وهاديها كمالاً في الإحسان والمروءة، كم من معلم ترك وطبع في نفوس طلابه من خلقه الجميل وعلمه النافع وفكره النير بالغ الأثر على مدى السنين. كم وكم.. وما شهدنا إلا بما علمنا وسمعنا وشاهدنا وعاصرنا ذلك بين أسوار المدارس وأروقة الجامعة، صروح وميادين إنسانية قبل أن تكون أكاديمية لكل خلق نبيل وعلم نافع وبهما تتحقق رسالة التعليم. اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علماً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٤) صفحة (٨) بتاريخ (٠٢-١٠-٢٠١٦)