سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

قبل أسبوع كتبت مقالاً بعنوان «الأخ سعودي»، دعوت فيه إلى تعميق معنى «السعودة» وتفعيله بين أصحاب المؤسسات والشركات، وحتى بين الأهالي، وقمت بالحث على منح الشباب والشابات السعوديين فرصاً وظيفية متنوعة من أبسط الوظائف وحتى أكبر المناصب. كنت أحتج على ذلك بما أراه من براعة وفن وتفانٍ لدى شريحة كبيرة من شبابنا، إلا أن بعض الأصوات تعالت من هنا وهناك، تُوقع العتب على طرف المعادلة الآخر، لقد لاموا الشباب أنفسهم، وألصقوا بهم بعض المثالب التي تجعل ربَّ العمل يفكر ألف مرة قبل تعيين السعودي، بل وذكروا كثيراً من الحالات التي يُعرِض فيها شبابنا بملء إرادتهم عن فرص وظيفية متاحة. في الحقيقة، ومع الأسف الشديد، فإن كل ما ذكروه موجود، وإن بنسب بسيطة، لكن كما جرت القاعدة: «الخير يخص والشر يعم». من الواضح أن هذه الفئة القليلة من حملة هذه الصفات قد سوَّغت كل تلك الممارسات آنفة الذكر ضد شباب هذا الوطن، لذا أود استغلال نافذتي الأسبوعية هذه لإيصال رسالة أكثر وضوحاً إلى كلا الطرفين.
أعزائي أرباب الأعمال، إن كنتم تتذمرون من تسيُّب الموظف السعودي، أو انخفاض إنتاجيته، فأعتقد أن «أرامكو السعودية» خير دليل على أن خلق بيئة العمل المثالية ستمنحك موظفاً مثالياً، والجميع يشهد على انضباط موظف «أرامكو»، وتفانيه الشديد في العمل، بل إن هذه الصفات هي ديدنه الذي لا يفارقه حتى خارج ساعات الدوام، كل ما تحتاجونه هو سياسة واضحة من الحوافز والضوابط. على صعيد آخر، إن كنتم حريصين على استمرارية هذا الموظف أعواماً طويلة، فاحرصوا إذاً على أن يؤمِّن له دخله السنوي حياة كريمة لا أن يغطي مصروف سجائره فقط، أما إن كان الحديث عن الموظفات، فهناك أمران أساسيان غض عنهما الطرف طويلاً، لقد غزت المرأة السعودية كثيراً من ميادين العمل لكنها لاتزال تعاني من عدم توفر الدعم المناسب. إن تأمين المواصلات، أو على الأقل دفع بدل نقل مكافئ لتكلفة المواصلات الحقيقية، سيرفع عبئاً كبيراً عن كاهل الموظفات المكافحات، خصوصاً من ذوي الدخل المنخفض، ففي كثير من الأحيان يذهب نصف الراتب أو ما يقاربه إلى جيوب السائقين. أما الأمر الآخر فهو تأمين دور رعاية نهارية لأطفال الموظفات بأسعار رمزية فأجور الحاضنات تفوق حتى أجور السائقين، خصوصاً في حال وجود أكثر من طفل.
أما أعزائي الشباب، وأخص في حديثي هنا تلك الشريحة التي تحمل ثقافة عمل مشوَّهة جداً وسقيمة، فهلا استيقظتم من «رقدتكم» التي أنتم عليها؟ قد يظن بعضهم أن أكثر «المتبطلين» أو الكسالى هم من الطبقة المترفة المدللة، لكن الحقيقة الصادمة هي أنهم في غالبيتهم ينتمون إلى طبقات اجتماعية فقيرة، ويعتمدون كلياً على المعونات، والأدهى أنهم قد لا يملكون أي درجات علمية، ولا مؤهلات وظيفية، ورغم ذلك لديهم «وظيفة أحلام خيالية» لا يقبلون بغيرها. أقول لمعاليكم: لقد كان الأنبياء نجارين وخياطين ورعاة أغنام، كل عمل شريف هو أفضل ألف مرة من أن تمد يدك. إن العامل الآسيوي الذي بنى له قصراً في وطنه لا يملك قدرات جسدية خارقة تمكِّنه من التحمل، وأداء عمله، بينما تعجز أنت.
تذكر أنك تنحدر من سلالة متسلقي «النخلات الباسقات»، وأفضل غواصي التاريخ. أنت كنز ثمين جداً لن يكتشفه أحدٌ غيرك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٦) صفحة (٨) بتاريخ (٠٤-١٠-٢٠١٦)