منصور جابي الرويلي

منصور جابي الرويلي

‎الشاعر هايش الرويلي الذي خلّد له التاريخ بيت الشعر القائل:
‎القلب يمشي على هدفته
‎يعـيل والا عـلى قـادي
‎كان له صاحبٌ يحاوره عن عشقه فتاة مع استغراب شاعرنا لهذا العشق؛ حيث لا تملك تلك الفتاة من مقومات الجمال ما يؤهلها بأن يُكتب لها قصيدة غزلية، وكما يقول شاعرنا «خسارة فيها بيت واحد» ولكن مع إصرار صاحبه وعشقه وهيامه بتلك الفتاة رضخ شاعرنا لطلبه ولكن بدأ القصيدة بالبيت الشهير:
‎القلب يمشي على هدفته
‎ يعيل والا على قـادي
‎وأكمل صاحبه العاشق البيت قائلاً :
‎العين للزين ملتفتة
‎ ما همها كل نقادي
أي أن الإنسان يمضي للهدف الذي يحبه ويهواه سواء كان هذا الهدف يستحق أم لا، فأصبح هذا البيت الشهير مثلاً يُضرب بأن كل إنسان ماضٍ لما يُريد ويهوى ويعشق دون أي اعتبار لما كان وما سيكون.
‎قبل عدة أشهر وأنا أستعيد هذه القصة، حاورت مدير فرع هيئة السياحة والتراث الوطني في الشمالية الدكتور جهز الشمري، وهو الصديق العزيز والشاب المجتهد في خدمة المنطقة عن أهم موقع في الحدود الشمالية يعني كثيراً ليس للمملكة العربية السعودية فقط ولكن لكل عربي شهم يتوق لماضيه الأصيل، وأكدت عليه ضرورة الاهتمام بهذا الموقع، وذلك بوضع مُتحف أو تصميم أو طريق ولوحات تدل عليه خصوصاً في هذه الأيام التي نعيشها من صراع محتدم بين العرب والفرس.
الموقع هو مكان وآثار معركة «ذي قار» الشهيرة التي وقعت أحداثها جنوب محافظة طريف في الحدود الشمالية بين جبل «الحنو» الشهير و«عيون قراقر» المعروفة، كما أكدت ذلك الكتب التاريخية والقصائد الشعرية القديمة منها قصيدة الأعشى حينما انتصر العرب على الفرس في تلك الموقعة، وذكر «الحنو» فيها قائلاً:
‎وجند كسرى غداة الـحنو صبـحهم
‎منا كتائب تزجي الموت فانصرفوا
‎لما رأونا كشفـنا عن جماجمـنا
‎ليـعرفوا أننـا بكر فينصرفوا
‎وما أكده بالدليل القاطع الدكتور عواد اليحيى خلال زيارته الموقع ونشر الأدلة على هذا الموقع في برنامجه الشهير «على خطى العرب».. فإن لم تهتم هيئة السياحة والتراث الوطني بمثل هذا الموقع الشامخ فبماذا تهتم؟!
تذكرت وأنا أشاهد فعاليات مهرجان صيف عرعر الشهر الماضي الذي ظهر فيه مقطع الفيديو الشهير «مسابقة الرضاعة» تذكرت حِواري مع مدير فرع هيئة السياحة في المنطقة الذي قلت له إن هذه الفرصة تاريخية لإظهار موقع معركة «ذي قار» وتقديمه للعالم ليوحي ويظهر قوتنا وهيبتنا بدلاً من إظهارنا بهذه الصورة المخجلة مع الأسف أمام العالم. عدد من المواقع التاريخية في الحدود الشمالية التي تولي لها السياحة والتراث الوطني في المنطقة جُلّ اهتمامها وميزانيتها ليست كمستوى موقع معركة «ذي قار» ولا نصف شهرته، ومع ذلك يتم صرف المبالغ الطائلة عليها، ولو صرفنا جزءاً منها على موقع «ذي قار» وأعدنا تهيئته بالشكل المطلوب لكان هذا الموقع مفخرة ليس للحدود الشمالية فحسب بل سيكون فخراً للتراث الوطني ككل وفخراً للعرب جميعهم أمام الفرس وأذنابهم، ولكن يبدو أن اهتمامات مدير فرع السياحة والتراث الوطني في الحدود الشمالية ليست منصبّة على هذه الأماكن الشهيرة والتاريخية بقدر ما هي منصبّة على المهرجانات والمسابقات الضعيفة، فالقلب كما قال شاعرنا: يمشي على هدفته.. يعيل والا على قادي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٦) صفحة (٨) بتاريخ (٠٤-١٠-٢٠١٦)