في كل مرة يلوح في الأفق اقتراب الانتخابات الأمريكية؛ يبدأ الصراع بين الحزبين الوحيدين اللذين من حقهما الترشح للرئاسة (الجمهوري والديمقراطي)، وباقي الأحزاب جميعهم خارج اللعبة، وهذا لإيهام العالم أن أمريكا تعيش ديمقراطية كاملة من خلال الانتخابات والرئيس الذي تأتي به صناديق الاقتراع، وما هذا إلا نوع من تزييف الحقيقة والذهاب إلى مناطق الوهم العالمي.
من المتعارف عليه حتى في دول العالم الثالث التي اعتمدت مبدأ الأحزاب السياسية أن هناك تعددية متكاملة ويأتي الفرز فيما بعد لتلك الأحزاب بما فيها التجربة التونسية حديثة العهد بالديمقراطية، ولكنها سارت على المنهج الأوروبي في الانتخابات وصناديق الاقتراع ولم تنتهج طريقة ديمقراطية الحزب الواحد.
لذا نجد أن الصراع الذي يسبق الانتخابات بعام كامل يأتي في تصريحات غير مناسبة للدول الحليفة لها، كما حدث طيلة العام الماضي أثناء مبارزة المرشحين لمقاعد الرئاسة الأمريكية، ويتضح جلياً أن الذي يدير دولة الديمقراطية هو مجلس النواب في الكونجرس الأمريكي حيث قام بدغدغة مشاعر الناخبين من خلال التصويت بالأغلبية في رفض فيتو الرئيس الأمريكي أوباما الذي تنتهي ولايته في 31 ديسمبر المقبل، وهذا ما يعني أن الحزبين اتفقا على أن يحصلا على رضى الشعب الأمريكي مقابل المصالح في إقرار مشروع قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب، المعروف اختصاراً بـ «جاستا».
هذا ما يعني أن تلك الديمقراطية الأمريكية حالة زائفة، تنتهي عند صناديق الاقتراع حيث يأتي الرئيس المتفق عليه بين الحزبين، ويطالب بتأجيل استخدام أي قانون من القوانين الحديثة في أمريكا.
وقد اعتاد الشعب الأمريكي على ألا ينظر كثيراً للسياسة الخارجية بقدر ما ينظر إلى الفوائد التي يمكن أن يحققها له الرئيس المقبل، وها هي أمريكا اليوم مقبلة على مرحلة تسمح من خلالها بصعود قوى دولية أخرى تستطيع مواجهة المتغيرات الدولية واتخاذ القرارات السريعة، التي تخدم كافة المصالح الداخلية والخارجية، وتعود بفوائد اقتصادية عليها، تستطيع انتشال الأوضاع التي أصبحت أكثر سوءاً على مستوى الاقتصاد العالمي ووعي دول العالم باللعبة الأمريكية التي تمارس من خلالها الضغط على شعوب المنطقة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٧) صفحة (٩) بتاريخ (٠٥-١٠-٢٠١٦)