عبدالله الأسمري

عبدالله الأسمري

عبدالله الأسمري

حينما تقوم حضارة أمة من الأمم على أسس من العمل البنَّاء الذي ترفده أصول علمية وبحثية، وتتضافر له كفاءات بشرية على مر السنين، نجد أن ذلك يلفت الانتباه، ويثير إعجاب مَنْ يقدِّر قيام الحضارات ونهضتها، مع أنه يمكن الاختلاف على بعض قيمها الاجتماعية والروحية بشكل أو بآخر، لكن الغريب أن تُسلِّم حضارة مثل الحضارة الأمريكية تاريخها وكينونتها إلى قيم قانونية أقرب ما تكون إلى الأحلام أو الاستغراق في الأوهام، وهي التي تقدم للعالم مبادئها على أنها أحد أسس البحث التجريبي الذي لا يقبل الخطأ، فضلاً عن الارتكاز عليه. هذا ما تبادر إلى ذهني عندما قرأت السجالات حول قانون «جاستا» الذي حذَّر من تداعياته جميع قادة دول العالم، فكيف للمشرِّع الأمريكي أن تأسره النزعة البراجماتية حتى لو كانت خالية الوفاض؟ ألا يدرك أن الإثراء دون سبب هو من الأمور التي يلاحقها القانون، ألم يدرك أصحاب التصويت في مجلسَي الشيوخ والنواب أن من البدهيات في جميع أنحاء العالم أن مَن يكسب شيئاً يتحمل تبعاته، وأن مَن ينتج أي شيء عليه أن يضمنه. إن قيم القانون الدولي وسيادة الدول لن تقبل بمثل هذا، بل إن مثل هذه المماحكة القانونية والسياسية ستفتح الباب على مصراعيه لجميع شعوب العالم للدخول في هذا النفق القانوني الذي يزيد من أعباء دولة عظمى مثل أمريكا، فهل ستكفل الحق لجميع الشعوب؟ لا أعتقد ذلك، إلا إذا كان المشرِّع الأمريكي يريد أن يقفز على النظام الدولي، ويحلَّ بديلاً عنه، وهذا أعظم خطراً مما سبق.
لذا، مازال أمام المشرِّع الأمريكي الوقت الكافي للتراجع حفاظاً على القيم الأمريكية، وهذا يتيح للقنوات الرسمية هناك أن تبدي ملاحظاتها حيال «جاستا»، وهذا هو الذي يجب أن يكون من دولة الحضارة والقانون إذا أرادت أن تُرفع لها القبعة إعجاباً.
وأخيراً: إن جميع دول العالم لديها القدرة على تحييد هذا القانون، أو تجاوزه إلى التعامل بالمثل، وهذا أيضاً يزيد من أعباء مَنْ قال إنه أحد حماة السلم والأمن الدوليين لا غيره.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٨) صفحة (٨) بتاريخ (٠٦-١٠-٢٠١٦)