الصداقة وطن.. فجميع التعريفات التي تتضمنها هذه الكلمة تتطلب كل شروط المواطنة من الديمومة والصدق والثقة والنقاء والأبدية التي لا تحتمل القسمة على الغدر والتخلي.
وهذه الكلمة تستوجب كثيرا من المعايير التي لا يمكن أن تدركها فنون التعليم والتلقين المدرسي والأسري والنظريات الفكرية للفلاسفة لأنها تأتي فطرية لأناس يتلاقون على سطور المودة ليكتبوا ذات الكلمات وبقدر ما يمكن أن تحظى به من مقومات عندما تحصل على الصديق أو الخل الوفي الذي اعتبرته العرب من ثالث المستحيلات التي تأتي بعد «الغول وطائر العنقاء» فنحن لا يمكن أن ننكر وجود نماذج مميزة من الأصدقاء كما لا يمكن أن نتجاهل السيئة منها كما أننا لا نستطيع أن نتوقف عن ممارسة فعل الصداقة، مهما اختلفت الظروف وتوالت الصدمات من غدر بعض الأصدقاء أو تخاذلهم وتنكرهم، نظل متطلعين إلى علاقات الوفاء والأمل التي لا نستطيع أن نلقيها من نافذة القطار لنظل محكومين بالإقامة الجبرية في سجن التذكر لكل التفاصيل الصغيرة التي عشناها على مقاعد الدراسة بأناملنا الصغيرة ومآقينا التي تلمع بالأمل وثيابنا البسيطة وعندما كبرنا تغيرنا صرنا أكثر أناقة ولباقة وقدرة على إخفاء عيوبنا وبقع ثيابنا.. أصبحنا قادرين على الغياب وعلى إيثار أنفسنا وتحقيق رغباتنا بقناعات غريبة تقول لنا دائما إن لنا الحق في فعل الغياب والتنكر في أن نبحث عن مصالحنا حتى وإن تحولنا من أصدقاء إلى أعداء لنفاجأ في كل عام بتساقط مزيد من الأصدقاء بعضهم يسقط من القلب أو من الذاكرة ويذهب إلى سلال النسيان وبعضهم يسقط من العين ولذلك اعتبر الحكماء عداوة الصديق من أشرس العداوات ففي العبارات الحكيمة القديمة دروس عندما قالت: اللهم اكفني شر أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم وفي قول الشاعر احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة ذلك لأن هذا الصديق يعرف مكامن قوتك وضعفك ويعلم كيف يمكن أن يصيبك في مقتل وهذا ما يستدعي أن يظل الإنسان حذرا في أقرب العلاقات التي يمكن أن تتغير بفعل المصالح وتبدل النفوس والظروف التي قد تحول العدو إلى صديق والصديق إلى عدو وهذا ما يجب أن نتعلمه في دروس الحذر من أن نظل متيقظين كي لا نشعر بالخيبات ونحزن على الثقة التي ذهبت إلى غير محلها ونحاسب أنفسنا على معطيات بساطة التعامل وحسن النيات بعد أن أدرنا ظهورنا لنواجه أعداءنا ففوجئنا بالضربات تأتينا من موطن الثقة وتصيب ظهورنا لنعود بعدها إلى قارعة الانتظار يحدونا الأمل ليد أخرى تربت على أكتافنا لأصدقاء يشاركوننا خطى الظل ولا يتركوننا إذا ما حل الظلام.
يقول المتنبي:
شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِ **
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٩) صفحة (٩) بتاريخ (٠٧-١٠-٢٠١٦)