فوز المتعب

في تقريرٍ تليفزيوني مؤلم عن صناعة الشوكولاتة في العالم، أُلقي الضوء على جانبها المظلم، وكيف أن هذا المغلف الأنيق للوح الشوكولاتة وما يحمله من لذة غامرة وسعادة طفولية مشاغبة مهما بلغ بنا الكبر عتياً، تمر صناعته بمراحل كثيرة، أولى مراحلها وأساس صناعتها هو استعباد الأطفال، نعم الاستعباد وليس العمل بمقابل، فمزارع الكاكاو في إفريقيا تعج بالأطفال الأفارقة يكدون يومياً كعبيد بلا أجرة سوى المأوى والطعام ليلاً، ليُلقى بهم صباحاً في غابات الكاكاو وتستمر دائرة الشقاء إلى أن يطردهم رب العمل لأسباب لا يفهمها الصغير، ويأتي ببديل ويقذفه في نفس الدائرةِ العبودية.
هذا التقرير ذكَّرني بكواليس ما يحصل في إعلامنا اليوم، فحال المتعاونين لا يختلف كثيراً عن الطفل الإفريقي في شيء، سوى بإغراء الجزرة المعلقة فوق رأسه (فيوعَد براتب هزيل قد تمتد الشهور طوالاً ولا يحصل عليه) كلما قفز لأكلها بَعُدتْ، ويستمر في العمل والكد والجزرة تلوح بين عينيه ولا يستطع تذوُّقها فيقعد ملوماً محسوراً، فمن الطبيعي جداً في هذا المجال أن تستحدث إدارة ما لأحد المخضرمين (المحبوبين) في المجال، وبحكم سذاجته وانعدام مهنيته يجد نفسه أمام مأزق إثبات الوجود وإبراز الهوية، فيكون أسرع الحلول هو اللجوء لاستقطاب متعاون متمرس يؤسس العمل ويصيغ الاستراتيجيات ويدير المهام حتى يستقر وضع (صاحبنا) المستعمر، وهنا يستقيظ الطفل المتعاون على رسالة نصية أو إلكترونية تبشِّره بانتهاء عمله بلا سابق إنذار أو تقصير، وبأن الجزرة المعلقة (الراتب) هي جزرتنا في مزرعتنا ولن تدخلها اليوم لأنك بلا تصريح دخول!!
في مالي هناك مقولة يرددها الشعب ضد المستعمر، تقول: (جاءوا ليستعبدوا أطفالنا في غابات الكاكاو حتى يأكل أطفالهم الشوكولاتة في سلام).
في الإعلام ماذا عساي أقول؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٦٩) صفحة (٨) بتاريخ (٠٧-١٠-٢٠١٦)