حسن عيبان بالحارث

حسن عيبان بالحارث

كان يا ما كان وبينما أنا أمارس هواية التصعلك والتسكع بين أروقة الصحف اليومية ودهاليز مواقع التواصل الاجتماعي، كان قد لفت انتباهي هاشتاق ساخن بعنوان «زواج مختصر»، الذي كان يناقشه مجموعة من الشباب الثائر ضد فيروس الهياط الاجتماعي المنتشر، حيث كانوا ينادون بفكر حر ومتزن وبصوت متذمر وبنبرة غاضبة، كان محور حديث أولئك الفتية يدور حول بعض العادات التي يرونها دخيلة وحمقاء وغير منطقية، خاصة وهم يتأملون ملامح بعضهم بعضاً، فيرون شبابهم وقطار حياتهم يمضي سريعاً ودون أن ينتبه لهم أحد. كانوا يطالبون جميعهم بأن يفيق المجتمع من سكرته وينظر للعالم وللظروف الاقتصادية من حوله، وبأن يكف عن أذيتهم والقسوة عليهم وتعجيزهم بمطالب أشبه ما تكون مستحيلة وخرقاء، برأيهم ليس من المنطق ولا المعقول ولكي يستطيع أحدهم بداية حياته ومشواره وبناء قفصه الذهبي أو الخشبي بأن يكون مصيره المصحة النفسية بعد أن تصيبه متلازمة القروض باضطرابات سيكولوجية وبهلوسة شبه مزمنة، أحدهم كان قد صب جام غضبه على المهور وغلائها وعلى كرنفال الزواج وتكاليفه وما تمليه أيضاً عليه أم العروس وأخواتها في الرضاعة وفي السخافة أيضاً، مغرد آخر شنَّ هجومه على التضخم وضعف قوة الريال الشرائية، وعلى أزمة السكن وطوابير الانتظار المملة والطويلة، وعلى كل حال فلقد اتفقوا جميعهم في نهاية المطاف على أن أحد أهم الأسباب وما زاد في الطنبور نغمة هو التفاخر المقيت والهياط الأرعن، لكن ما لفت انتباهي وأنا أحاول قراءة عقول أولئك الشباب وجود بعض الأصوات النشاز التي كانت قد رفعت ضدهم حق الفيتو معترضة على دعواهم، بل وتطالب بتقليم أظافرهم وبإنزال أشد أنواع الضغوط النفسية والاقتصادية عليهم، وللأمانة الكتابية ولكي أعطي كل ذي حق حقه، فقد كان أغلب من نادى بذلك ودعا إليه هم الحسناوات من جنس حواء! ما جعلني حقاً أقف مشدوهاً وعلامات الاستفهام والتعجب ترتسم فوق رأسي الصغير! لن أدخل في التفاصيل طبعاً ولن أجعل من نفسي لعنة وعلكة في لسان حواء السليط، لكن ما أكاد أجزم به وأنا لا أعمم هنا بأن التقليد وبريق المظاهر السخيفة ما زالت تعني للأنثى شيئاً كثيراً، وبأن عاطفتها تسلبها أحياناً عقلها حتى وإن كانت أستاذة جامعية وحملت ألف شهادة وألف دورة وألف وسام! الأمر المدهش ليس هذا فقط، بل إن المفارقة العجيبة وما يجعلك تشعر بالرغبة في الضحك قليلاً وفي البكاء كثيراً هو تزامن هذا الهاشتاق في نفس الوقت مع هاشتاق آخر كان يطالب بمحاربة ظاهرة الإسراف والتبذير ويدعو لِحفظ النعمة وجمع بقايا أطعمة الحفلات والمناسبات وإعطائها مستحقيها، وهذا أمر جيد ويُحسب لتلك المجموعة والجمعية، فجزاهم الله خيراً وأنكحهم بالحور العين في جنةٍ عرضها السموات والأرض، لكن أليس من العجب العجاب أن نقتل القتيل ثم نرقص زهواً فوق رأسه ونوزع الحلوى والقهوة التركية الفاخرة! بمعنى لم نمارس بأنفسنا ومحض اختيارنا هذا التبذير والهياط الاجتماعي ثم نشجب بعد ذلك ونستنكر ونصرخ بدهشة «حرام يا لربع»! في الختام أعلم أن ما كُتب أعلاه قد لا يفهمه أصحاب الطبقة الأرستقراطية والمخملية! لذا أعتذر لهم عن الإطالة وعن كلامي الفارغ!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٧٣) صفحة (٨) بتاريخ (١١-١٠-٢٠١٦)