ما بين العودة واللاعودة مسافة تكفي لاستيعاب أغنية فيروز «سنرجع.. خبرني العندليب» فما بين اللجوء ورحلة الغياب والرحيل عمر كامل وأمنيات قد تحتمل وعود فيروز على مرمى لحظات من الانتظار أو على بعد عمر كامل قد ينقضي دون أن يتحقق الوعد.
فلم تكن فيروز وهي تغني حينها تعلم أن وعد الرجوع ليس مقتصراً على الفلسطينيين وحدهم وأنها تحتاج لأن تضع وعوداً أخرى لأمة بأكملها خرجت ولم تعد.
لم تكن تعلم أنها بحاجة لأن تقف شامخة من جديد لتعلن وعوداً أخرى أكثر يقيناً بالعودة لأطفال سوريا والعراق واليمن وأهلها الذين غادروا أحياءهم الدافئة وأمنياتهم الهادئة ولم يمهلهم الوقت لوداع أبواب ونوافذ منازلهم التي تداعت تحت ويلات القصف والدمار بعد أن نأت بهم المسافات وسلمتهم لمفاجآت أقدار لم تكن في الحسبان بعد أن انتقلت الأحداث إلى منطقة اللامعقول واللامنطقي وتجاوزت كل الأعراف المحتملة في حرب شرسة لم تفكر في كرامة الإنسان وفرضت منطق القوة وشريعة الغاب.
فلا عصافير يمكن أن تغرد تحت الركام ولا صفصاف يمكن أن يرفع رأسه عالياً وسط الرصاص ولا ياسمين يمكن أن ينمو في أحضان المنعطفات والشبابيك الدمشقية الحزينة فهذا الهجير أوقف كل الأحلام التي انتظرت غصن سلام واحداً يكفي لأن يقينا مواجع الغياب واللجوء وويلات التشرد أو ورق ظلال واحدة تكفينا شر الاحتراق وتبعدنا عن كوابيسنا المفزعة التي صرنا نتهرب من مواجهتها عندما يحين موعد نشرات الأخبار ويأتي تقرير حالة الطقس العربي الساخن وهو يلوح في الأفق هارباً من حمم الرصاص ولغة الألغام ومنطق القوى المتصارعة والفيتو المتطاير من مجلس الأمن من حالة التخبط التي كثر فيها المتنازعون على جسد بلاد الشام الأبية.
سنهرب حتى لا نرى انكسار السنابل تحت الركام الذي خطف منا لحظات الفرح وجعلنا ننتظر بصيص أمل يأتي من ثقب إبرة يعبر منها «حلم وطن» ستون عاماً ولم نرجع.. يا فيروز وفي كل يوم يمر نرى غيرنا يدخل معنا إلى مدرسة الوعود ليذاكر معنا كل معاني الغياب ويتهجى حروف اللجوء ونتعلم كيف نعبر إلى وطن عابر لم يستطع أن يتجاوز هذه التحولات الضخمة والانكفاءات التي تعيدنا في كل مرة إلى المربع الأول والحكم المؤبد بالاحتلال لجغرافية وطن عربي بأكمله يرفع رأسه من أمواج الغرق ليتنفس ويتنهد تنهيدة الإياب ثم يعود إلى الغرق.
نعم لقد ظلت معنا المفاتيح والأوراق الثبوتية وبعض من الصور القديمة لبيتنا الغافي على متن الغمام نعم لقد ماتت الحكايات البسيطة ألف مرة في خزائننا لكنها وعلى الرغم من مواجعها كانت تواسينا وتقنعنا في كل يوم بأننا أفضل ممن ذهبوا للموت دون مفاتيح ..وممن ذهبوا للريح دون مفاتيح .. وتقول لنا إن هناك وعداً من الله سيظل راسخاً بأن نعود وإن طالت الغيبات وعداً من الله أن نرجع ….وسنرجع.
يقول الشاعر هارون هاشم رشيد
سنرجع ..خبرني العندليب غداة التقينا على منحنى
بأن البلابل لما تزل هناك تعيش بأشعارنا
ومازال بين تلال الحنين وناس الحنين مكان لنا
فيا قلب كم شردتنا رياح تعال سنرجع هيا بنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٧٤) صفحة (٨) بتاريخ (١٢-١٠-٢٠١٦)