بينما كنت في العاصمة الهندية نيودلهي من أجل حضور مناسبة علمية تتعلق بتخصصي، مررت بإحدى العيادات لعلاج الألم، وهي من أكبر العيادات في الهند، وبعد الاطلاع على ما لديهم، سألت أحد العاملين في العيادة عن رسوم الكشف، فأجابني ضاحكاً بعد معرفة هوية بلدي: تعتمد على المريض، فمَنْ يأتي في سيارة متواضعة نأخذ منه مبلغاً زهيداً تقديراً لظروفه، أما أصحاب السيارات الفارهة فرسومهم أضعاف رسوم المساكين، وللقادمين من الخارج أسعار خاصة، وبالطبع عالية، وربما حسب البلد. ذكَّرني هذا النقاش بمستشفياتنا الخاصة التي لن أصنِّفها حسب الخدمات المقدمة، لأن الغرض من أغلبها الربح المادي، وبشراهة، وليس تقديم خدمة ذات جودة عالية، وإن تشدَّق بذلك بعضهم، بل سأصنِّفها حسب السعر، فهناك فئة الـ «5 نجوم» التي لا تعالج المساكين وأصحاب الدخل المحدود إلا بتحويل حكومي «وهذا زمن ولَّى وانتهى، أسأل الله أن يعيده»، وهناك ذات الرسوم المتوسطة التي لا يقدر عليها المسكين إلا مضطراً بعد أن يجوب المستشفيات الحكومية فلا يجد موعداً أو سريراً ولا حتى دواءً، فيسوقه قدره إلى التضحية من أجل الصحة.
كان ومازال هناك مَنْ ينادي بوضع تسعيرة مناسبة للمستشفيات الخاصة في ظل غياب المعايير، ولكن قد يقول قائل: لا يمكن توحيد التسعيرة نظراً لاختلاف مستوى الخدمة. وقد يكون محقاً، لكن أليس المريض هو المريض، أم إن قاعدة «ولا حياة لغير القادرين» هي السائدة، وبالتالي سيأتي يوم يسود فيه قانون الغاب في الخدمات الصحية الخاصة. كل ما أخافه أن يحاول بعض ضعاف النفوس تعويض البدلات، وإيقاف تحويلات المستشفيات الحكومية التي كانت تدر ذهباً من جيوب المرضى الذين لا حول لهم ولا قوة، وتذكَّروا جميعاً أنه كلام هندي!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٧٥) صفحة (٤) بتاريخ (١٣-١٠-٢٠١٦)