محمد أحمد العمراني

القوى والعامل الاقتصادي هو المحرِّك لقيادة العالم، فمن يسيطر على الاقتصاد بكل نواحيه يستطيع فرض قراراته على البقية في عالمنا اليوم الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأقوى اقتصادياً وتستخدم قوتها العسكرية للمحافظة على هيمنتها الاقتصادية في العالم، فهي صاحبة أكبر سوق فلاحي بالعالم وأهم منتج صناعي والأكبر في عالم التكنولوجيا والقطاع المصرفي والترفية والأكبر استيراداً وإنتاجاً في كل أنحاء المعمورة، لكن ماهو الشيء الذي تحميه أمريكا للمحافظة على كل ذلك إنه الدولار تلك الورقة الخضراء الجميلة التي ظهرت لأول مرة عام 1792 ميلادي على شكل 3 فئات من ذهب وفضة ونحاس، واستمر العمل بهذا النظام ذي الثلاث فئات حتى عام1861ميلادي عندما اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب التي نتج عنها إنشاء العملة الورقية الخضراء الحالية، وكانت في بداياتها ورقة ثقه بين المواطن والحكومة واستمر الحال 16 سنة، حتى قررت الحكومة تغطية العملة بالذهب بعد حصول تضخم هائل لم يسيطر عليه، ففي عام 1879 تم إصدار قانون تغطية الدولار بالذهب للمرة الأولى في التاريخ، ومن هنا بدأت الحكومة الأمريكيه بتقوية العملة وشراء الذهب حول العالم بشكل مستمر وفعَّال حتى عام 1929 عندما حصل الكساد العظيم ودخلت أمريكا الناشئة في نفق مرعب مما اضطرهم لتعديل سعر الدولار العالمي ومعدل تغطيته للذهب للتعافي من الكساد، لكن حدوث الحرب العالمية الثانية أدخل العالم في فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية، مما اضطر الولايات المتحدة الأمريكية إلى دعوة 44 دولة إلى مؤتمر بريتون وودز عام 1944 بعد انتهاء الحرب (طبعاً بريتون وودز مدينة أمريكية في ولاية نيوهامشير) للبحث عن نظام نقدي مالي دولي، ومن هنا بدأت الهيمنة الأمريكية على العالم، حيث كانت أمريكا وحدها تمتلك 75 %‏ من ذهب العالم، لذا تم اعتماد خطة الأمريكي (هويت) في إنشاء صندوق للنقد الدولي والتجارة الدولية وفرض قيود على المعاملات والحوالات الخارجية، مما أزاح السيطرة البريطانية من المشهد، وقد فرضت أمريكا في ذلك المؤتمر قاعدة الصرف بالدولار الذهبي على أساس مقياس التبادل الذهبي، وبذلك تحول الدولار من عملة محلية أمريكية إلى عملة احتياط دولية وعملة قياس وتم تسعير الدولار في ذلك الوقت 1 دولار يساوي 88761 غراماً وبسعر 35 دولاراً للأونصة، وبذلك تساوى الذهب بالدولار كقوى وكقيمة وبشكل متصل تم ربط بيع وشراء النفط بالدولار وكل الصناعات والمنتجات العالمية، في كل هذه الفترة لم يكن هناك أي منافس للولايات المتحدة، فنمت بسرعة البرق وتطورت وبقي العمل بهذا النظام حتى 15 آب 1971عندما أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقف آلية التبادل بين الدولار والذهب وأن أمريكا لاتحتاج لتغطية عملتها الأقوى وأن قوتها العسكرية وضخامة اقتصادها كافية لحماية الدولار، وكانت أحد الأسباب الفعلية لقرار نيكسون هو طلب الجنرال الفرنسي شارل ديغول إبدال الدولارات الموجودة بالبنك المركزي الفرنسي إلى ذهب حسب اتفاقية برتون وودز (كان المبلغ الموجود في المركزي الفرنسي191 مليون دولار أمريكي وكان سعر الأونصة 35 دولاراً حسب الاتفاقية) لكن في تلك الفترة لم يكن هناك ذهب يغطي الدولار في العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام تمت طباعة أوراق نقدية ضخمة لم يستطيعوا تغطيتها، لذا أصدر الرئيس نيكسون هذا القرار الذي عرف فيما بعد بصدمة نيكسون، واستمر الحال إلى يومنا هذا رغم أن كثيراً من دول العالم استخدمت التعويم بدل التغطية الذهبية، إلا أن الدولار مازال هو العملة الرئيسة في العالم وكل احتياطات العالم بالورقة الخضراء التي فعلياً هي مجرد ورقة بين القوى الأعظم في العالم وبقية العالم، ولا يدور في الأفق ظهور أي منافس، فالجنيه الإسترليني في أسوأ حالاته واليورو الأوروبي كذلك حتى الليوان الصيني لايستطيع الحل مكان الدولار فأمريكا بقوتها العسكرية وخدماتها اللوجستية وبنيتها التحتية القوية تسطير وتفرض على العالم استخدام الدولار حتى عند مرور أزمة في الاقتصاد الأمركي كأزمة الرهن العقاري عام 2008 التي هي مفتعلة في رأيي بقي سعر الدولار متماسكاً لذا نستخلص أن القوة والهيمنة العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية هي من يستند عليها الدولار كورقة يستطيع فيها الأمريكان شراء وبيع أي شيء في العالم وفي أي وقت وكلما احتاجوا إلى مزيد منه أعطوا الأمر إلى المطابع الفيدرالية لطباعة مزيد من الدولار، ونختم أن الدولار الأمريكي عندما سافر إلى الصين لشراء بضاعة عاد إلى أمريكا، حيث لم يعجبه الأكل الصيني وأرسل بدلاً منه سندات خزينة أمريكية بأصفار كثيرة!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٧٨) صفحة (٨) بتاريخ (١٦-١٠-٢٠١٦)