السؤال هنا كيف لنا ربط جيلنا الحاضر بما تحدثت عنه الآن؟ وما هي الطريقة السهلة في عرض أولئك الشخصيات الذين قاموا بهذه الأعمال؟ مسؤولية هيئة الإذاعة والتليفزيون مسؤولية كبيرة في كيفية عمل برنامج قد يطلق عليه «الفن الأصيل وأهله» أو «عمالقة الفن الأصيل» المهم يكون هناك برنامج يتم إعداده بشكل احترافي ..

الفن بكل أشكاله وأنواعه سواء كان فناً غنائياً أو موسيقياً أو الأداء عبر المسلسلات والمنلوجات الغنائية يُعدُ من المؤثرات الكبيرة على شخصية الإنسان، فمن منا لا يتذكر أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، والست فيروز وأغانيها الجميلة الرائعة، وأتذكر عندما كنت صغيراً في نهاية الستينيات الميلادية كان تليفزيوننا يعرض أغاني لأم كلثوم وفيروز وأباطرة الغناء العربي آنذاك، ولكن كانت الذائقة الفنية عندي مع الأسف صفراً.
مما ليس فيه مجال للشك أن الفن قديماً أفضل وبمراحل كثيرة من الفن الحاضر الذي بشهادة كثيرين أصبح هابطاً، وأصبح الكل في هذا الزمن فناناً.
عموماً ما نحن بصدده في هذا المقال عن فننا القديم والجميل الذي كان يُعرض في نهاية الستينيات الميلادية وما بعده، فكان مما يعرض في الإذاعة وعبر أثيرها البرنامج الجماهيري الشهير « يوميات أم حديجان»، وكان هذا البرنامج مرتبطاً بشهر رمضان المبارك، ويأتي مع الإفطار مباشرة، وكان خفيفاً مضحكاً، وبطله هو الفنان الكبير «عبدالعزيز الهزاع» الذي يجيد تقليد مئات الأصوات، وكان أيضاً رفيق دربه الفنان «سعد التمامي» لا يقل عنه حجماً في التقليد والتمثيل من المميزين، وكان المنولوج الشهير الذي عمله عن المرأة التي تدرس محو الأمية بعنوان: «شفت الخالة وأعجبتني في مشيتها» وكان تشجيعاً لنسائنا بالالتحاق بمدارس محو الأمية.
هناك فنانون قدموا برامج جميلة ونوعية في فكرتها وتنفيذها، ومنهم الفنان الكبير «جميل محمود» الذي قدم برنامجاً كان يعرف بـ «وتر وسمر» في الثمانينيات، وقد قدم هذا البرنامج إلى الجمهور الفنان عبدالله رشاد، ورابح صقر وغيرهم، وأستطيع أن أقول إنه المؤسس الحقيقي لفكرة البرنامج الشهير «ستار أكاديمي» الذي تم تنفيذه فيما بعد في لبنان، كما أن صاحب الأغنية الوطنية الشهيرة التي مازالت تردد حتى الآن في أغلب الفضائيات «بلادي بلادي منار الهدى» للملحن الكبير «سراج عمر»، هذه الأغنية التي دخلت قلوب الملايين لروعة كلماتها وجمال لحنها، وهناك كثير من الفنانين الذين أبدعوا وأجادوا ومازالوا على قيد الحياة.
والسؤال هنا كيف لنا ربط جيلنا الحاضر بما تحدثت عنه الآن؟ وما هي الطريقة السهلة في عرض أولئك الشخصيات الذين قاموا بهذه الأعمال؟
مسؤولية هيئة الإذاعة والتليفزيون مسؤولية كبيرة في كيفية عمل برنامج قد يطلق عليه «الفن الأصيل وأهله» أو «عمالقة الفن الأصيل»، المهم أن يكون هناك برنامج يتم إعداده بشكل احترافي، ويتم اختيار معد ومقدم البرنامج بعناية فائقة؛ لأنه لا يصلح لمثل هذه البرامج سوى من لديه ذائقة عالية وكبيرة في الفن وله أيضاً قراءاته الواسعة في الفن؛ ليتمكن من طرح الأسئلة ومقارنة جيل هذا اليوم من الفنانين بالجيل القديم، بحيث لا تكون أسئلته أسئلة رتيبة ومملة، فعندما يتم استضافة الفنان الكبير «عبدالعزيز الهزاع» مثلاً، ويتم التطرق إلى بدايات حياته الفنية في عهد الملك سعود ـ طيب الله ثراه ـ وكيف أنتج شريطه الذي كام يحمل اسم «الطائرة» ويحكي عن قصة اثنين أطلق على كل واحد منهما اسم «مريبض، وحديجان» وكان الشريط كله من تقليده هو، وتتعجب من القدرة الفائقة التي يمتلكها في توزيعه للأدوار وانتقاله من دور إلى الشخص الثاني، ومن يسمعها يعتقد أنهم عدد من الأشخاص، هذه الذكريات الجميلة لأغلب الفنانين الذين مازالوا على قيد الحياة أعتقد أنها ضرورية جداً لحفظ جزء من ذكرياتهم لمن لا يعرف عنهم شيئاً، والأروع في اعتقادي المواقف التي عاشها أولئك الأوائل من الفنانين مع الآخرين سواء كانوا مسؤولين أو رجال دين بسبب فنهم وحبهم له، وهذا يُعدُ من شريط الذكريات القديمة التي مضى عليها عقود، فإخراجها الآن لا يضر بأي أحد، ويكون لهذا البرنامج هدف واضح وجلي، وهو: التعرف على شخصيات الأمس الذين قدموا وأبدعوا في برامج كثيرة، وتقديمهم لجيل هذا اليوم وربط الماضي بالحاضر والمقارنة بينهما.
ختاما، الوقت يمضي، وربما لا نستطيع بعد فترة الحصول على هؤلاء إما بسبب الكبر أو المرض أو أي أمر، فاستضافتهم وإجراء المقابلات معهم أمر بات مهماً، ولتكن مقابلات مطولة حتى تكون على حلقات، وسوف أراهن على مثل هذه البرامج أنها ستحقق أعلى نسبة مشاهدة من الجمهور، سواء كان عرضه في شهر رمضان أو غير رمضان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٧٩) صفحة (٩) بتاريخ (١٧-١٠-٢٠١٦)