حين تضع كل مدينة من مدن المملكة خطة إستراتيجية لها تتناغم مع الجوانب الطبيعية والمناخية والبشرية، فإن ذلك يزيد من وضوح الرؤية ويُسرع في الوصول إلى الهدف، ومنطقة الباحة ذات ميزتين مهمتين: طبيعتها التي تجمع ما بين الجبل المكتسي بالغطاء النباتي والسهول الفسيحة سواء في تهامة أو القطاع الشرقي، ومناخها المعتدل على السراة صيفا، الدافئ في سهول تهامة شتاء، اللطيف معظم أيام السنة في العقيق والبراري الواسعة حولها، تلكما الميزتان تعززان بل تؤهلان الباحة لأن تكون منطقة سياحية من الدرجة الأولى، وفي ذات الوقت زراعية حيث يتناسب مناخها في إنتاج معظم الفواكه، خصوصا التين والعنب والزيتون والرمان والحمضيات، هذا على مستوى المنطقة، أما على مستوى مدينة الباحة التي يصل عدد سكانها إلى قرابة 150 ألف نسمة وتضم ما يزيد عن 60 حياً بدءا من شبرقة وصولا إلى خفة وبني حدة، لتُشكّل في مجملها مدينة الباحة الحديثة، كل ذلك يُحفّز المصالح الحكومية لأن تشتغل في هذين الجانبين، أي التركيز على وظيفتين مهمتين هما السياحة والزراعة، فضلا عن الجوانب التنموية الأخرى، ففي الوقت الراهن يتمثل الاحتياج في وضع إستراتيجية متكاملة – كمرحلة مبدئية -شاملة الرؤية والرسالة والأهداف والخطة الزمنية وخطوات التنفيذ،، فمن خلال منظومة العمل المتناغمة والمتكاملة يتحقق النجاح، أما كيفية وضع الخطة فإن ذلك هو بيت القصيد، يشترك فريق متكامل يضم نخبا من الإداريين والمهندسين والجيولوجيين والمثقفين والشباب، مع الاستفادة من الممارسات والتجارب سواء المطبقة في بعض المواقع العربية كمدينة دبي، أو الاستفادة من الإستراتيجيات لبعض المدن في الدول المتقدمة، وحين نستحث الهمم في وضع خطة إستراتيجية ويتم التنفيذ بحسب الإمكانات المادية والبشرية مع مساهمة رجال المال والأعمال في التنمية، فإن ذلك يدفع إلى حماية المدينة من التمدد العمراني العشوائي والتخطيط الذي يعتمد على القرارات الفردية، وسيحدد مواقع العمران في الأماكن المناسبة دون الاعتداء على الغطاء النباتي أحد أهم مزايا المدينة، ومرتكز جاذبيتها أو الزحف العمراني نحو المدرجات الزراعية التي تشكل سلة غذاء مهمة على مدى أزمنة مضت وكذا أزمنة قادمة، فالإستراتيجية بطبيعة الحال تخدم في تحديد المساحات التي يمكن استثمارها في البناء وفق مواصفات هندسية عالية تتناسب والظروف البيئية للمنطقة وتحدد أيضا مواقع الخدمات «تجارية، ترفيهية، تعليمية، صحية، اجتماعية، وشبابية» وتحقق الأستثمار الأمثل للبيئة، والاستفادة من كل الموارد الطبيعية، وليس ترك الحبل على الغارب بمبان ذات أشكال متنافرة وألوان متباينة تؤذي العين وتصيبها بالقذى، ولما تشكله الإستراتيجية من ضرورة ملحة سواء على مستوى المؤسسات أو على مستوى المدن، فإن من المستحسن أن تبادر كل مدينة بوضع خطة إستراتيجية خاصة بها، و تُنفذ جميع المشاريع وفقا للخطة المعدة سلفاً، وهذ يحد من الازدواجية الذي نلحظه عند تنفيذ المشاريع، مما يسبب عدة أشياء:
أولا: زيادة التكلفة المادية.
ثانيا: الخسائر التي تنجم عن عمليات الحفر والدفن وإعادة الزفلتة.
ثالثاً: ما يعتري الناس من ضيق نظرا لقفل الشوارع أو تضييق مساراتها.
رابعاً: الحد من منافذ القرارات الاجتهادية التي تخضع لرؤية محدودة وضيقة.
لنعد ونقل بأن العمل وفق خطة واضحة ومدروسة ستكون نتائجها رائعة، وستوفر أرصدة مالية كبيرة يمكن الاستفادة منها في جوانب أخرى، فضلا عن عدم إزعاج الناس بما يشوب الشوارع من إحداثيات أثناء وفي أعقاب أي مشروع. وما يخلفه من اهتراء طبقة الإسفلت وتمايزه من مكان لآخر. وحين نحلم بمدينة مثالية فإن ذلك الحلم سيتحقق، ولكن لن يأتي بالأماني أو العمل العشوائي بل بتحديد المسار من وقت مبكر في ضوء إستراتيجية يشترك في صنعها فريق من ذوي الهمة والعزيمة والاختصاص القادرين على استشراف المستقبل المضيء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٧٩) صفحة (٨) بتاريخ (١٧-١٠-٢٠١٦)