تركي رشود الشثري

تركي رشود الشثري

«وما أنت إلا مجموعة خيارات مضت»، ومن منا لا يرغب أن يكون كذلك؟ الإنسان المستقر في أحواله أجمع الذي تحكمه القيمة والمنطق لا العاطفة المجردة والإدمان الآسر إلى متى تتبع متع اللحظة وتأجيل المهام والحقوق؟ إلى متى الانتقام من أناس بالتسلط على من يحبون؟ إلى متى إلباس النقائص النفسية إحجاماً أو الرعونات الاندفاعية إقداماً لبوس المبادئ والفضائل؟ بل وإلى متى الرغبة الجامحة في تملك من نحب والتسلط على الجميع؟ وإلى متى ونحن نرسل ولا نستقبل؟ وإلى متى وفنوننا وآدابنا تنفيس عن مكبوتات وخدوش في الذاكرة؟ وإلى متى وترفيهنا وسياحتنا هروب من واقع فوضوي أو علاقات ممزقة أو روح آثمة مؤنبة؟ وإلى متى نقول ما لا نفعل ونفعل ما لا نقول؟ ومتى سيأتي اليوم الذي تحكم تصرفاتنا فيه القيمة والمنطق؟ ومتى نعتاد الفضائل ونقلع عن الإدمان بأنواعه؟ ومتى نصبر عن متع اللحظة لأجل ما هو أكبر وأفضل؟ ومتى نقوم بالمهام متقنة ونؤدي الحقوق كاملة؟ ومتى نعفو ونصفح من دواخلنا بصدق؟ ومتى نعترف أمام أنفسنا بنقصنا ولا نسميه بغير اسمه محتالين عليه؟ ومتى نحب بلا تملك ونعطي بلا مقابل؟ ومتى تفارقنا الرغبة الجامحة في التسلط؟ ومتى يشتغل في عقولنا وقلوبنا جهاز الاستقبال؛ فقد أرسلنا كثيراً وكثيراً فمتى سنستقبل الرسائل المفيدة ممن حولنا وأصغر منا؟ ومتى سننشئ الأدب الرفيع من واقع طبيعي هادئ فينعكس في نفوس المتلقين بالهدوء والإرواء؟ ومتى سنسافر للراحة والمتعة والفائدة وبكل براءة غير مخلفين وراءنا الديون والعلاقات المحطمة والخطايا التي نفر منها وتلاحقنا؟ وباختصار متى نفعل ما نقول ونقول ما نفعل في تواز نفسي وارتياح مجتمعي؟
في تصوري القاصر أن أصل المشكلة من الفهم وتصور الحياة بشمولها وتراص حباتها جوار بعض في سلسلة واحدة مَن أتقن بدايتها سعد بنهايتها. وعليه فالمقال يدعو للبحث في المفاهيم الأصيلة لعيش حياة كريمة تليق بالإنسان كروح قبل أن يكون لحماً وشحماً، وكذلك المشكلات ولَّادة ولا ينقطع نسلها إلا باستئصال الرحم غير الصالح، ولا يكون ذلك إلا بانقلاب شامل في المفاهيم وحسن إدارة الأفعال مع ردودها، إنها مشكلة في التفكير أولاً والبقية تأتي، فإذا أصلح المعوج من هذا الفكر استقامت الحياة وإلا فالتعرجات والسقطات والصدمات هي الطريق المتاح لمن آثر التعايش مع الأفكار العتيقة وعليه مضغ الآلام بكل حسرة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٧٩) صفحة (٨) بتاريخ (١٧-١٠-٢٠١٦)