فهد عبدالله الغانم

فهد عبدالله الغانم

إبان زيارة الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية «حفظه الله» إلى جمهورية تركيا التي أتت بعد أقل من شهر على زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قال سموه من أنقرة كعادته وبشفافية تامة في تصريح لوسائل الإعلام: «بأن السعودية وتركيا مستهدفتان.. وعلينا أن نحصن أنفسنا قدر الإمكان».
وزاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مقابلة صحفية بقوله «إن هناك تصورات وقحة جدّاً ضد العالم الإسلامي»، مشدداً على «أن تركيا والمملكة العربية السعودية مستهدفتان مع عديد من البلدان الإسلامية».
إن هذه المصارحة الرسمية والتقارب السعودي التركي ومن بعده الحوار الخليجي – التركي يضعان اليد على الجرح النازف لكي لا يزداد هذا النزيف، هذا أولاً، وثانياً هو بداية لتلمس خارطة طريق مهمة سوف تصبح سبباً في المساعدة على تجنب ويلات أكثر إيلاماً عما مضى.
فقد عانى هذان البلدان الإسلاميان كثيراً بسبب مواقفهما الثابتة تجاه أغلب القضايا الحساسة في المنطقة من أحداث ومستجدات ماضية وحاضرة لم تتوقف للضغط عليهما في سبيل تقديم تنازلات صعبة وغير واقعية بتاتاً خصوصاً في سوريا والعراق، ولم تتوقف الأحداث عند ذلك فكانت محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس أردوغان الذي حظي وبجدارة بدفاع شعبي مستميت عنه أمام خيانة بعض أعضاء الجيش التركي وكذلك المنتمين إلى منظمة «فتح الله غولن» الإرهابية. لقد تمسك الشعب التركي بشرعيته وحافظ على استقرار أمن البلاد بعيداً عن الفوضى العارمة التي كانت ستعم الجمهورية التركية برمتها. لقد رحبت المملكة بعودة الأمور إلى نصابها في تركيا بعد هذه المحاولة عبر اتصال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز «حفظه الله» بالرئيس التركي وتهنئته على استتباب الأمن والاستقرار وعودة الحكومة التركية إلى ممارسة أعمالها الطبيعية.
أما المملكة فتعرضت لطعنة في الظهر من قبل الكونجرس الأمريكي الذي أقر «قانون جاستا» مؤخراً الذي يسمح للناجين وعائلات ضحايا 11 سبتمبر 2001 بمقاضاة السعودية ودول أخرى. عندها سارع المتحدث باسم الرئيس التركي للتصريح بقوله «إن بلاده تساند السعودية في معارضتها لقانون – العدالة ضد رعاة الإرهاب- المثير للجدل، وأن هذا القانون يهدد سيادة الدول».
إن هذه الظروف الحرجة التي يمر بها البلدان والمنطقة عموماً تمخضت عن زيارات رسمية متبادلة قدَّمت رسائل إيجابية على صعيد العلاقات بين البلدين الشقيقين عزز متانتها ما يجمع بينهما من روابط بين الشعبين السعودي والتركي المنبثقة من التاريخ وأواصر الصداقة والأخوة والقيم المشتركة.
لقد كان الحوار الخليجي – التركي الأخير تقارباً حتميّ المصير وتوازناً في وقت عصيب سوف يصب في صالح شعوب المنطقة والعالمين العربي والإسلامي وله تأثيرات على الأوضاع في كل من سوريا والعراق وأطماع إيران الجيوسياسية الشرسة في المنطقة ونياتها تجاه السنة خصوصاً في العراق، ومجابهة المحور الجديد، وكذلك انعكاسه على الحرب على الإرهاب ودعم استقرار سوريا والعراق ووحدة أراضيهما للحفاظ على المصالح الاستراتيجية المشتركة لدول المنطقة، وسنية الموصل وتحريرها من أيدي داعش تحت راية سنية خالصة بعد أن انتفضت ضد هذا التنظيم واتخذت قرارها الأخير.
وحين تفتح دول الخليج أحضانها بصدق وشوق للشقيق التركي الذي يشاركها أفراحها وأحزانها ويقف معها في السراء والضراء الذي بيَّن شجاعة فائقة متمثلاً في الموقف السياسي الحازم من لدن الرئيس رجب طيب أردوغان تجاه الثوابت والقيم الإسلامية وتجاه كل ما يهدد أمن واستقرار دول الخليج وأنه جزء من أمن تركيا وهذا عكس ما يطلبه بعض العرب في علاقاته بدول الخليج من حسابات الربح دون الخسارة، ولكن هذه العلاقة بالذات بين دول الخليج وتركيا برهنت على سلامة نهجهما بالتقارب الصادق وأن حسابات الربح والخسارة هي خارج حساباتهما وإنما تنظر إلى مصلحة الشعوب وراحتها وأن ما يحيط بهما من أزمات باتت تعصف بالمنطقة أصبحت تشكل تهديداً وجوديّاً مباشراً على أمنهم واستقرارهم الذي يجب فيه مواجهة هذه التحديات والمخاطر بين دول حليفة وشقيقة يعتمد عليها فعليّاً، وما البيان الصادر عن الحوار الاستراتيجي الخامس بين دول مجلس التعاون الخليجي والجمهورية التركية الأخير الذي عبّر عن توحد الرؤى وتطابق المواقف تجاه كافة القضايا المصيرية والمستجدات الإقليمية ونبذ الصراعات الطائفية. هذا البيان الفاعل جاء بعيداً عن المزاج الأمريكي المتقلب واستراتيجياته الفاشلة وغطرسة الدب الروسي وتدخلاته السافرة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٨٠) صفحة (٨) بتاريخ (١٨-١٠-٢٠١٦)