راجح ناصر البيشي

راجح ناصر البيشي

يا للعجب ثم يا للأسف! ما أكثر أولئك القوم الذين يغردون خارج السرب! بعضهم على مستويات رفيعة ويمثلون كيانات كبيرة، وبعضهم نعرفهم، نجالسهم نمازحهم، نتابعهم، نعجب بهم، لكنهم في النهاية يغردون خارج السرب، رغم اختلاف توجهاتهم وأفكارهم وأساليبهم وأشكالهم، لكن القاسم المشترك بينهم هو التغريد والتهريج والتأجيج خارج السرب، هم كثر لكن كلا منهم يغرد حسب إمكاناته أو معلوماته أو مهايطاته أو قدراته أو حساباته أو مصالحه أو دراهمه أو فقره أو غناه، لن تجد صعوبة في البحث عنهم كي تجدهم، فهم موجودون على نطاق واسع، تراهم بأم عينيك يترززون ويترددون ويتمخطرون «حولنا حوالينا» في التلفاز في الشوارع في الأسواق في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، هم القوم الذين تشمئز منهم الأنفس وتكل منهم القلوب وتمل منهم العيون وتضيق بهم المجالس والشاشات والفلاشات. الأمثلة عليهم كثيرة وسنذكر بعضها للعلم والعبرة، بلادنا -حفظها الله- تمر بظروف خاصة في هذه الحقبة من الزمن وتجد هؤلاء القوم يعلقون وينكتون ويمكرون ويهايطون ويستعرضون بالمقاطع والتعليقات والصور الساخرة بأشكالها المختلفة التافهة والهابطة، هؤلاء بلا شك يغردون خارج السرب، وعلى نطاق أوسع أمتنا العربية والإسلامية تمر بمرحلة حساسة وغير عادية خلال هذه الفترة وتدور عليها الدوائر ويتربص بها الأعداء من كل حدب وصوب وتجد بعض الدول العربية والإسلامية والمحسوبين عليها يتخبطون في قراراتهم وتوجهاتهم وتصريحاتهم وهم بذلك يغردون خارج السرب أيضاً، وعلى نطاق أقل مما ذكر تجد الناس في المآتم ومجالس العزاء في حزن وعزاء وتجد من أولئك النفر منهمكين في الضحك والمزاح ومشاهدة المقاطع التي قد تكون مضحكة أو فيها موسيقى أو غير ذلك، وهم بفعلهم هذا أيضاً يغردون خارج السرب، وهناك بعض المذيعين الغريبين العجيبين يقرأون الخبر المحزن كالموت والدمار والكوارث وتجدهم يبتسمون ويتضاحكون فيما بينهم دون مراعاة لشعور المشاهدين أو أهالي أولئك الناس وهم بذلك أيضاً يغردون خارج السرب، وهناك من المشاهير من تجدهم ينشغلون بالتأثير على المعجبين بهم والمقلدين من الناشئة والأطفال بأمور أقل ما يقال عنها إنها تافهة وساذجة وسخيفة وبإمكانهم أن يستغلوا الشهرة في التأثير بما هو مؤثر ومفيد لمجتمعهم ومقلديهم وهم بذلك السلوك يغردون خارج السرب، الكثير من الناس يغردون خارج السرب بعضهم عن قصد وعلم وبعضهم «مدرعمين» دون قصد كما هو المثل المعروف «مع الخيل يا شقرا» معهم معهم عليهم عليهم، كن إنساناً ذا فكر ونضج وقرار تعرف ماذا تقول ومتى تنطق ومتى تضحك ومتى تحزن ومتى تبكي، لأن الله ميزك بالعقل فاستخدمه لتميز به الأمور، وغرد داخل السرب ولا تكن من أولئك المغردين خارج نطاق السرب حتى إن بعضهم كالأنعام بل هم أضل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٨٤) صفحة (٨) بتاريخ (٢٢-١٠-٢٠١٦)