باقتضاب نفت وزارة التعليم بلسان متحدثها الرسمي مبارك العصيمي الشائعة المتداولة عبر شبكة التواصل الاجتماعي التي تقول إن قرابة 161 ألف طلب تقاعد للمعلمين والمعلمات، وقال إن -المتداول الذي يُعد شائعة – سبق فترة التقديم على التقاعد عبر نظام الخدمة الذاتية، إلى هنا والأمور واضحة تماماً، إلا من الضروري على الوزارة أن تضع قراءة دقيقة لتبعات هذه الشائعة، لاسيما وأنها وجدت رواجاً كبيراً في الأوساط الاجتماعية، وخصوصاً الأوساط التعليمية، ولربما جاءت كنوع من التنفيس مما يحدث في الميدان التربوي من جوانب تحتاج إلى معالجة، والقارئ الحصيف يلحظ التعقيبات التي تتفاوت بين العمق والسطحية وهي بلا شك واحدة من المؤشرات التي تحتاج إلى تحليل، حيث إن كثيراً من المعلمين وجدوا تلك الشائعة نافذة للتنفيس عما يجيش في خواطرهم من صعوبات تتعلق بعملهم الذي يصفونه بالمرهق، والحقيقة أن عمل المعلم عمل شاق – لمن خاض هذه التجربة- حيث تثقل الحصص كواهل المعلمين المخلصين نظراً لتعاملهم مع فئات سنية مختلفة، وخصائص نفسية متباينة، مما يحتاج أن يكون المعلم ليس فقط شارحاً ومبسطاً للدرس، بل يتسع دوره ليتعامل مع الطلاب مراعياً خصائصهم النفسية وحالاتهم الاجتماعية وفوارقهم العمرية بيد أن التدريس ليس مهنة كسائر المهن الأخرى، بل هو رسالة سامية باعتبار المعلم مهندساً للعقول بانياً للمعرفة مرتقياً بالمجتمع، فالتعامل مع العقول البشرية من أجل النهوض بالمجتمع لا يقارن أبداً بموظف يتعامل مع معاملات وملفات تخدم فئة معينة من المجتمع. ومن هذا المنطلق يتوجب على الوزارة أن تضع حلولاً مناسبة للقضايا الشائكة في الحقل التربوي، ومن بينها تحديد أنصبة المعلمين بحسب خدمتهم ليس من المعقول أن تتساوى أنصبة المعلمين، بين معلم أمضى ربع قرن في سلك التدريس، وبين معلم في بدايات عمله التدريسي، وهنا تأتي الحاجة إلى طرح استبانة لمعرفة ماذا يرغب المعلمون؟ وما هي الصعوبات التي تحد من عملهم؟ وما هي طموحاتهم؟ بهدف دراسة الواقع الفعلي بطريقة علمية ممنهجة، لا أن ننظر إلى المعلمين بمقاييس آلية بحسبة الرياضيات ليتم ترحيل بعضهم إلى مناطق أخرى، الإنسان يختلف عن الآلة فالنهج الذي تتخذه الوزارة بمقاييسها الرقمية لن يحقق حلولاً، بل سيخلِّف مشكلات لا حصر لها، كسعي الوزارة إلى أن تكون أنصبة جميع المعلمين 24 حصة، وهذا لا يمكن تطبيقه، ولو تمكنت في بعض المدارس فاحتمالية تعرض بعض المعلمين لحالات مرضية أو مرافقة أو أي ظرف كان، فإن البديل بحسب الأنظمة المتبعة هو توزيع نصابه من الحصص، وهنا لا يمكن أن يتم باعتبار كل معلم أخذ نصابه بالكامل، أو البحث عن معلم بنصاب أقل في مدرسة مجاورة، وهذا يخلق خلخلة وارتباكاً للمعلم المسند له، وفي عدم التمكن يتم اللجوء إلى المرشد الطلابي أو رائد النشاط أو المسؤول عن الوسائل التعليمية أو وكيل المدرسة، وإذا لم تتوفر تلك الحلول فيصدر قرار بتكليف المشرف التربوي بحسب التخصص ليحل محل المعلم المتغيب هذا الارتباك الكبير والحلول المتباينة ينعكس أثره على الطالب فيكون المتضرر الأول، لأن كثيرين ممن يغطون غياب المعلم لظرف ما، يرفضون القرار وبعضهم يتباطأ كنوع من الاحتجاج الخفي بعدم الرغبة في التنفيذ.
عوداً على بدء، حين تقف وزارة التعليم على هذه الشائعة فلا يغيب عنها أن عدد المعلمين المتقاعدين خلال الثلاث سنوات الماضية يزيد على 25 ألف معلم ومعلمة، وبحسب الإرهاصات سيزيد العدد في السنوات المقبلة، لأن كثيرين سيتم تقاعدهم بقوة النظام، وسيلحق الآخرون بهم ممن يرغبون في التقاعد المبكر.
على وزارة التعليم مسؤولية عظيمة فهل تبادر في وضع حلول مناسبة تشجيعاً وتحفيزاً ودعماً للمعلمين بناة المستقبل، هذا المأمول في وزيرها الدكتور أحمد العيسى الذي وعد بمزايا يجب أن تُعطى للمعلمين والمعلمات في حديث تلفزيوني قبل أن يتسلم ملف وزارته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٨٦) صفحة (٩) بتاريخ (٢٤-١٠-٢٠١٦)