مجلس الشورى يناقش توصية جديدة تُطالب بإيجاد بيئة مناسبة تستطيع من خلالها المرأة قيادة السيارة، يطالب فيها أحد الأعضاء وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بالتنسيق مع وزارة الداخلية بإجراء هذه الدراسة. هذه المطالبة جاءت مع جملة من المسوغات منها ما يتعلق بشأن الأسر السعودية ذات الدخل المحدود، ومنها ما يتعلق بالعدد الهائل من السائقين الأجانب ممن يقومون بتحويلات مالية ضخمة كان من الأولى استثمارها داخلياً. الموضوع أصبح مستهلكاً جداً، وأصبح الكاتب يخجل من إعادة طرحه، فلم يعد هناك ما يستوجب الكلام فيه، لما يلحظه القارئ من تكرار ممل لقضية أخذت أكبر من حجمها، ظاهرها الرحمة للنساء السعوديات من ذوات الدخل المحدود، وباطنها الرفاهية والترف لطبقة محدودة في المجتمع. فكما هو معلوم فإن وزارة النقل تسعى جاهدة لفض الاختناقات من خلال توفير المواصلات العامة كالقطارات والمترو ونحوها، فهل قيادة المرأة ستسهم في تحقيق هذا الهدف وتقليص الازدحامات المرورية أم لا؟!
كما أن بعض الدول المتقدمة تشجع على المشي واستخدام الدراجة عوضاً عن المركبة لما فيها من نفع من الناحية الصحية والبيئية، فهل قيادة المرأة ستشجع على هذا المطلب؟!
ما يزيد على ثلثي الأسر السعودية ترى أن من أولويات حياتها بالدرجة الأولى المسكن والمأكل والملبس والتعليم والصحة بالإضافة إلى ما يسد حاجتها في النوازل والأزمات، فهل قيادة المراة ستحل هذه الأزمات بشكل أو بآخر، وهل هي من أولويات تلك الأسر؟!
السوق والأسعار تتأثر بالعرض والطلب، فهل عندما تقود المرأة السيارة سيزيد الطلب عليها أم سيقل؟ وبالتالي هل ستهبط أسعار السيارات أم أنها سترتفع؟!
لم تعد قيمة المركبات في متناول الجميع، بل إنها ما تزال باهظة الثمن ولو على فرض نزول الأسعار، فهل غالبية النساء بمقدورهن شراؤها، أم أن طبقة معينة ستستأثر بالسيارات من باب الترف وليس الضرورة؟
لماذا لم نسمع هذه المطالبة من أصحاب الشأن من ذوي الدخل المحدود، أصحاب المعاشات والضمانات والأرامل والمطلقات؟! لماذا تُستغل أوضاعهن للضغط على الجهات المعنية لتحقيق مآرب طبقة معينة؟!
لماذا يضيع مجلس الشورى وقته في تكرار قضايا هي أقرب إلى إثارة المجتمع وتفريقه وإيقاعه في الجدل والمهاترات، بدلاً من الانشغال بما يجمعه ويتفق عليه كل أحد، كالمسكن والماء والكهرباء والتأمينات وما يتعلق بالأسرة وغيرها.
لا أستبعد أن تكون قيادة المرأة سببا في عزوف الشباب عن الزواج، ففي حين إقرارها ما الذي يمنع من أن تكون من اشتراطات الفتاة على الشاب سيارة آخر موديل، إضافة إلى المسكن المستقل والسفر وغيره؟.
ولا أعتقد أنه في حال تمكنت المرأة من قيادة المقود سيتم التنازل عن السائق، لأن السائق دوره يتجاوز مجرد القيادة، بل من واجباته العناية بحديقة البيت – إن وجدت – وجلب مستلزماته وإيصال الأطفال وربما الطبخ وغيرها من الأدوار المنزلية. ورغم وجود بعض الشركات التي تمنح الشاب السعودي فرصة العمل كسائق، إلا أنه تنقصه ثقة المجتمع.
الخطير في الأمر أن المطالبة بالقيادة تتم من خلال فئة معينة يستخدمون عدة طرق منها النظامية كالمجالس والقنوات الرسمية وأخرى ملتوية عن طريق المشاكسات وخرق الأنظمة والتعليمات الأمنية، و في حال تم إقرار قيادة المرأة، فإن كل فتاة خالفت الأنظمة وتجاوزت الخطوط الحمراء وتحدت الداخلية بقيادتها للسيارة ستزداد يقيناً أن الطريق للوصول لكل مطلوب عن طريق هذه الأساليب الهوجاء والعوجاء التي فيها مخالفة لولي الأمر، وسيُفتح الباب لأصحاب المطالبات الأخرى باتباع نفس الأسلوب، ولعلهن يصبحن أبطالاً وتخلد ذكراهن، ومع الأسف، إنها ذكرى في التشجيع على الخروج على الأنظمة والتعليمات، وليست ذكرى إنجاز للوطن أو المواطن. الذي يدل على أن كلا الطريقين ينبثق عن جهة واحدة أنه عندما تتم مخالفة هؤلاء الفتيات، لا نرى الاستنكار ممن يطالبون بالقيادة ممن يقبعون تحت مظلة المجلس، فهل دورهم يقتصرعلى المطالبة أوالتحريض؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٨٩) صفحة (٩) بتاريخ (٢٧-١٠-٢٠١٦)