عبدالله عبدالعزيز السبيعي

الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لها شأن كبير ومكانة عظيمة عندنا نحن المسلمين، لما فيها من العبر والعظات الكبيرة، فلقد مكث عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشر عاماً في مكة يدعو إلى (لا إله إلا الله). سنوات طويلة من التعذيب والإيذاء.. والتشريد والابتلاء. وبعد اشتداد الأذى ينام عليه الصلاة والسلام في ليلة من الليالي على فراشه فيرى دار الهجرة وإذا هي أرض ذات نخل بين لابتين.. إنها طيبة الطيبة. ومن مكة تنطلق ركائب المهاجرين ملبيةً نداء ربها.. مهاجرةً بدينها.. مخلفةً وراءها ديارها وأموالها. ويهم أبوبكر بالهجرة فيستوقفه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً. وعلى الجانب الآخر تشعر قريش بالخطر الذي يهدد كيانها بهجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين( ينزل جبريل فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المؤامرة ويقول: يا محمد لا تبِت في فراشك الليلة. وفي بيت أبي بكر كان أبوبكر رضي الله عنه جالساً مع أهله في الظهيرة، إذ أقبل النبي عليه الصلاة والسلام متقنعاً مغطياً رأسه، ففزع أبوبكر لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأتيهم في تلك الساعة.. يدخل النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: يا أبا بكر أخرج من عندك. قال أبوبكر رضي الله عنه: إنما هم أهلك يا رسول الله. قال: فإني قد أذن لي في الخروج. قال أبوبكر رضي الله عنه: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله. فقال: نعم. فبكى أبوبكر ولسان حاله يقول: طفح السرور علي حتى إنني ** من عظم ما قد سرني أبكاني رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فما شعرت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ. قال أبوبكر رضي الله عنه: فخذ بأبي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. فقال له صلى الله عليه وسلم: بالثمن.
يعود صلى الله عليه وسلم إلى بيته ويعرّف علياً بالأمانات التي عنده ليؤديها إلى أهلها. وفي ظلمة الليل يجتمع المجرمون ويطوقون منزله عليه الصلاة والسلام.
وفي هذه الساعة الحرجة يأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن يبيت في فراشه وأن يغطي رأسه ببرده الحضرمي. يفتح النبي عليه الصلاة والسلام الباب.. يخترق صفوف المجرمين.. يمشي بين سيوفهم.. وهم مع هذا لا يرونه، ثم يأخذ من تراب الأرض ويذره على رؤوسهم الواحد تلو الآخر ثم يمضي بحفظ الله ورعايته.. ها هو العام الهجري الجديد يحل علينا بعد أن مضى عام بل وأعوام وسنين مرة مرور الكرام كأنها أيام بل وسويعات قليلة جاءت ثم رحلت وذهبت مسرعة مثل البرق الخاطف.. لنحاسب أنفسنا دائماً في كل يوم وساعة ودقيقة ماذا عملنا ولماذا قصرنا وأذنبنا؟ لنعُد إلى الله تعالى ولنتب ولنؤب إليه الذي يفرح بتوبتنا وعودتنا إليه جل وعلا ونحن المحتاجون إليه ولا شك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٩٣) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-١٠-٢٠١٦)